| تمر في حياة الأمم والشعوب شخصيات إنسانية عظيمة تجبرك على احترامها وتقدير دورها، ومن تلك الشخصيات التي سطرت لها تاريخا حافلاً في تاريخ أمتها وشعبه الإمام الخميني رحمه الله، الذي مرت قبل أيام الذكرى المئوية الأولى لمولده، حيث ولد الإمام بتاريخ 20 جمادى الآخرة 1320هـ الموافق الرابع والعشرين من سبتمبر عام 1902م وذلك في مدينة خمين بوسط إيران، فقد استطاع الإمام الراحل وعبر رحلة طويلة من سني الجهاد والتضخية والمعاناة، القضاء على عرش الطاووس والإطاحة بأحد أقسى طواغيت العصر، وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 على أنقاض النظام الشاهنشاهي البائد، بعد ثورة شعبية مليونية توجت بعودة الإمام المظفرة إلى بلده بعد سنوات الهجرة والإبعاد·
ومما لا شك فيه آن الحديث عن حياة الإمام الراحل لا يمكن الإحاطة بأي من جوانبها المتعددة في هذه العجالة وبهذه الأسطر المتواضعة، فحياته الطويلة كانت حافلة بسلسلة فريدة من المواقف والعبر والأحداث الجسام، بدت من أغتيال والده السيد مصطفى الموسوي بعد نحو ستة أشهر من مولده وهجرته المبكرة إلى مدينة أراك لمواصلة دراساته العلمية وبعدها إلى مدينة قم حيث أنهى مرحلة السطوح العالية، ومروراً بمواجهته المبكرة لظلم رضا خان وفضحه لجرائمه ضد الشعب المسلم في إيران، وتصديه الشجاع للشاه محمد رضا بهلوي وإبعاده إلى تركيا في الرابع من نوفمبر عام 1964 ووصوله إلى العراق في نوفمبر عام 1965 وإقامته في مدينة النجف الأشرف لما يقارب الخمس عشرة سنة، واغتيال نجله السيد مصطفى في النجف الأشرف بتاريخ 1977/10/23 في ظروف غامضة، والهجرة مجدداً إلى فرنسا وقيادة الجماهير من ضاحية "نوفل ليشاتو" الباريسية، ونهاية برجوعه المظفر إلى طهران في فبراير عام 1979 بعد عقود طويلة من الكفاح والنضال والتضحيات الجسام، وبدء رحلة إقامة الجمهورية الإسلامية وما صاحبها من تحديات ومصاعب لعل أبرزها حادث تفجير مقر رئاسة الوزراء الذي راح ضحيته رجائي رئيس الجمهورية آنذاك ورئيس الوزراء بالونر عام 1981 وحادث تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي الذي راح ضحيته السيد بهشتي أحد كبار مفكري الثورة الإسلامية ومنظريها والعشرات من كبار القادة الإيرانيين وذلك في ذروة المعارك على الجبهات مع العراق، التي استمرت لثماني سنوات طوال، ولكن تلك قصة أخرى قد نرجع لها في مقال لاحق·
ونحن إذ نسترجع العديد من خطب الإمام الراحل التي تحث المسلمين على ضرورة التمسك بمفاهيم الوحدة الإسلامية ونبذ كل ما يمكنه من الإساءة إليها، نجد أحد صحفنا المحلية وهي تنشر خبر مجزرة تعرض لها أحد المساجد في باكستان لقي فيه عشرة من المصلين مصرعهم وهم يؤدون صلاة الفجر في جريمة جبانة لن يستفيد منها سوى أعداء الأمة الإسلامية، نجدها وهي تنشر الخبر وبطريقة يشتم منها أكثر من رائحة خبيثة بحيث ساوت بين الجاني والضحية، وبأسلوب استفزازي لا يخفى على أحد، حتى إن الكاتب الفاضل محمد منيف العجمي قد صرح بجانب من ذلك في مقاله المنشور في جريدة الوطن بتاريخ 1999/9/5 تحت عنوان: "اخذروا الفتنة الطائفية"، عندما قال "رغم أن هذا الحادث نسب إلى مجهولين إلا أن بعض الوسائل الإعلامية العربية والإسلامية أخذت تنسبه إلى مسلمين سنة، ووصفت هذا الحادث بأنه صراع طائفي، وهذا التحليل مستورد من وسائل إعلام غربية وعلى رأسها وكالتا أنباء رويترز والفرنسية اللتان لا تدخران جهداً في محاربة الإسلام"·
ولا نملك في هذا المجال إلا أن نستذكر مقولة الإمام الخميني عندما قال: "إن الذين يقولون سنة وشيعة (ويقصد الذين يثيرون الفتن) فأولئك ليسوا من الشيعة وليسوا من السنة"·
فالمسلم الصادق هو الذي يدافع عن بيضة الإسلام، ولا يقبل أن يكون مطية ينفذ بواسطته أعداء الأمة الإسلامية مخططاتهم التي لم تهدأ يوماً ولم تستكن·
ولا نشك مطلقا أن دماء شهداء الإسلام من أمثال حسن البنا وسيد قطب وفتحي الشقاقي ويحيى عياش والشهيد السيد محمد باقر الصدر والسيد بهشتي والشيخ المطهري والسيد عباس الموسوي والسيد هادي حسن نصر الله والسيد محمد صادق الصدر والآلاف من أمثالهم من الذين قدموا أرواحهم ودماءهم رخيصة فداء لهذا الدين، لا نشك أن دماءهم الطاهرة تبرأ من هذه الأعمال الإجرامية ومنفذيها من أي طرف كانوا ومن أصحابها، وممن يشجعونها وممن يفتون بها والساكتين عن إدانتها، فمن يستبيح دماء المسلمين وهم ما بين راكع وساجد لصلاة الفجر لا نظنهم إلا من السائرين على درب أشقى الأولين والآخرين عبدالرحمن بن ملجم، أول من استباح مسجد الكوفة باغتياله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو قائم يصلي الفجر·
ونحن وإن كنا لا نستغرب من وسائل الإعلام الغربية ما تقوم به من لوي وتحوير في الأخبار والحقائق، إلا أن عتبنا على وسائل إعلامنا المحلية والعربية والإسلامية أكبر وأعظم، فكما قيل آفة الأخبار رواتها·
ولكن عزاءنا أنه مازال في الأمة الإسلامية من العلماء والأئمة الأعلام ومن جميع الفرق والطوائف الإسلامية، ممن ينبذون هذه الجرائم ويدينونها، فنحن اليوم أحوج ما نكون فيه الى تعزيز وحدتنا الوطنية والإسلامية فقد تكالبت الأمم علينا تكالب الأكلة على قصعتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم· |