رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء جمادى الآخرة - 2 رجب 1420هـ - 6-13 أكتوبر 1999
العدد 1397

عن أي عجز يتحدثون؟!
عبداللطيف مال الله اليوسف

كثرت في الفترة الأخيرة الأحاديث عن أسعار السلع والخدمات التي عمدت الحكومة الى زيادتها مبررة خطوتها هذه بأنها ستزيد من موارد الخزانة العامة زيادة تقلل من العجز الحاصل في ميزانية الدولة ومع تسليمنا بما ذهبت إليه في تبريرها لهذا الإجراء فإنه يتحتم علينا قبل الخوض في مدى فاعلية هذه الزيادة في ردم الهوة بين المصروفات والإيرادات من عدمها أن نعرف هذا العجز بأنه الفرق بين المصروفات الشاملة والإيرادات الشاملة للدولة بصفة عامة والإيرادات غير الشاملة لدولة مثل الكويت وأقول غير شاملة لأنه لا تدخل في معادلة الميزانية جوانب مهمة من الإيرادات تحصل عليها الخزانة العامة ألا وهي عوائد استثمار الاحتياطات· الميزانية كما هو معروف هي جدول رقمي مفصل ومعتمد يحتوي على أرقام تقديرية لحقبة مقبلة من الزمن تقدر باثني عشر شهراً (العام المالي) على عكس الحساب الختامي الذي هو جدول رقمي مفصل ومعتمد يحتوي على أرقام حقيقية فعلية عن حقبة ماضية من الزمن مدتها اثنا عشر شهرا أيضا ومن هذا التوضيح يتبين لنا حقيقة وهي أن العجز غالبا ما يكون صوريا غير حقيقي حيث إن دولة مثل الكويت إذا كان باستطاعتها أن تقدر مصروفاتها تقديرا جزافيا يتخذ من المبالغة أساسا لهذا التقدير فإنها (الدولة) لا تستطيع أن تتمادى التمادي ذاته عند تقديرها لجانب الإيرادات على اعتبار أن الدخل الظاهر في الميزانية العامة هو فقط عوائد مبيعات النفط وشيء من الضريبة على بعض الشركات العاملة وعوائد النفط تشكل ما نسبته %98 من الدخل الظاهر في الميزانية وهذه عوائد متغيرة لا تكاد تستقر على حال إن بحكم سياسات منظمة الأوبك أو بحكم منافسة المنتج الأجنبي لهذه المادة أو بحكم تشبع الأسواق العالمية منها مما يؤثر فيها سلبا وإيجابا ولذلك فإن تقديرات الجهة الحكومية لجانب الإيرادات تتسم عادة بالتواضع والمعقولية أكثر منها في تقديراتها لجانب المصروفات· وأسوق مثالا على هذه المبالغة فقد كانت الدولة تعتمد مبالغ تصل أحيانا الى ثمانمئة مليون دينار لغرض الاستملاكات ويظهر هذا الرقم المخيف في الميزانية عند اعتمادها مشكلا جانبا مهما من جوانب العجز فيها ثم يأتي دور التنفيذ عند بدء العام المالي وينقضي ولم تستطع إدارة نزع الملكية (لأسباب لست بصدد التطرق إليها) سوى صرف ما نسبته %25 من هذا المبلغ ويتم تعلية باقي المبلغ %75 منه الى الأمانات (مبالغ مخصوم بها على بنود مصروفات الميزانية) ليتم صرفه على مدى خمس أو عشر سنوات، ففي حالة كهذه نجد أن المبلغ الحقيقي الذي تم صرفه هو مبلغ 200000000 د·ك وباقي المبلغ المعتمد وقدره 600000000 د·ك تكفلت به الجوانب الدائنة من حسابات التسوية وهي حسابات وسيطة تعتمدها الإدارة الحكومية لتغطية عجزها في عدم مجاراة اندفاعها عند تقديراتها لمصروفاتها·· انتهى عصر الاستملاكات وقد كان عصرا ذهبيا جسد الانفاق العام بأبهى صورة ثم استمر الحال في الجانب الآخر من الباب ذاته وأعني به الباب الرابع حيث لا يزال الهوس الانفاقي على مشاريع الدولة على أشده واستمرت الأوامر التغييرية التي تطرأ على تكلفة هذه المشاريع في أثناء عملية التنفيذ ناهيك عن الأخطاء القاتلة المصاحبة لعملية التخطيط أو التنفيذ وأورد على سبيل المثال ما حدث لمبنى قصر الضيافة في منطقة بيان إن العجز الحقيقي في ميزانية الإدارة الحكومية يحدث من جراء هذا الصرف الباذخ على هذه المشاريع والعجز نفسه يحدث من جراء انهيار هذه المشاريع لأخطاء لا حصر لها اقترفتها ونفذتها عقول وأيد لا تعترف بالمسؤولية ولا تكترث بالمحاسبة عن هذه الأخطاء ويبدو أنها بمنأى عن المساءلة، أذكر هذين المثالين مكتفيا بما يحدث في أحد أبواب الميزانية وأدخر الخوض فيما عداهما متحسبا في ذلك تحسب المحارب الذي لم يشأ أن يرمي بكل ما في جعبته من سهام·

أعود الى موضوع أسعار السلع والرسوم على الخدمات التي تقدمها الإدارة الحكومية فأتناول جانبا آخر من المبررات التي ساقتها الإدارة في هذا الصدد وهو أن أسعار السلع (المحروقات) لا تتناسب مع مثيلاتها في دول الجوار أو أن هذه السلع لا تقدم بأسعارها الحقيقية ولنفترض أن ذلك صحيحا ولكن لماذا لا يستمر الحال على ذلك ولماذا لا تقدم هذه السلع التي تمس الحياة اليومية للمواطن والمقيم فتشكل جانبا مهما لسهولة المعيشة؟ لماذا لا نعتبر رخص أسعار هذه السلع وتدنيها عامل جذب وإغراء للقدوم الى دولة مثل الكويت تفتقر الى الكثير من المميزات والمغريات التي تتوافر في دول الجوار؟ ولماذا لا نعزو رخص هذه الأسعار الى سهولة استخراج مادة النفط وسهولة الحصول على مشتقاته من بنزين وكيروسين مقارنة مع عدم قدرة بعض دول الجوار على الحصول على هذه المشتقات بسبب عدم توافر الإمكانات التكريرية كما هو حادث في دولة الإمارات العربية؟ ما الغرابة في أن تكون أسعار المحروقات لدينا متدنية ورخيصة؟ أو لسنا نحن البلد المنتج لهذه السلعة؟ ومن ذا الذي يجزم بأن أسعار المحروقات لدينا هي أقل من مثيلاتها في دول الجوار؟ أليست أسعار هذه المحروقات في دولة مثل إيران أقل مما لدينا؟

إن رفع أسعار هذه السلع ورسوم الخدمات سينعكس انعكاسا سلبيا على جوانب أخرى من حياة المواطن حيث سيعمد من يتعرض لوطأة هذه الأسعار إما الى الحد من تحركاته أو سيعمد من لا يستطيع ذلك الى تعويض ذلك عن طريق رفع تكلفة خدماته المقدمة الى المواطن· إن التمويل الحقيقي لخزانة الدولة يتمثل في الإفراج عن قانون الضرائب الذي يقبع في أدراج المسؤولين في وزارة المالية، إن هذا القانون الذي تم حجبه كفيل بأن يساهم مساهمة كبيرة في تضييق الفجوة بين الإيرادات والمصروفات مما يقود الى القضاء على العجز في الميزانية· هذا القانون الذي يخضع له في حالة تطبيقه أرباب العمل والمهن من الموسرين والشركات التجارية وغيرها وهذا هو المعمول به في دول العالم فيأخذون من الغني الموسر ويخففون على المعسر ولكن هذا لا يحدث هنا لقانون مضت عليه سنوات طويلة·· إن مجتمعنا يا سادة يتحول الى مجتمع سادة وعبيد·· مجتمع الذين يجدون ما لا ينفقون والذين لا يجدون ما ينفقون·

إن العجز الحقيقي يحدث من استحداث مراكز تكلفة جديدة تنوء بكاهل الدولة وتثقله وأضرب مثالا لذلك ما قامت به الحكومة بعدما تم حل مجلس الأمة في 1986 فقد انشأت جهاز متابعة ومراقبة عمل الوزارات والإدارات الحكومية متعدية بذلك على صلاحيات ديوان المحاسبة الذراع الرقابي لمجلس الأمة ومنتقصة في الوقت نفسه من صلاحية ديوان الموظفين وانشأت واعتمدت له الدرجات العامة والقيادية ولكن لأنه انشئ نكاية في المجلس المنحل فقد مات بصمت على عكس ما صاحب ولادته من جلبة وضوضاء وبقيت درجاته المعتمدة حقوقا مكتسبة لشاغليها وشاهدا حيا على تخبط الإدارة الحكومية·

وإذا كان مركز التكلفة هذا قد أنشئ منذ عشر سنوات ونيف فإن ما قام به أحد أعضاء الحكومة السابقة من استحداث أربعة آلاف وظيفة لن يكون المثال الأخير على خلق الحكومة المتاعب لجهاز الدولة المالي وإن كان هذان المثالان تم الاقتصار عليهما لإثبات أن الحكومة هي التي خلقت ما لا تستطيع البعارين حمله والتي تحاول جاهدة تخفيف وطأة ذلك عن طريق تحميل المواطن والمقيم تبعة أخطائها بهذه الزيادات التي اعتمدتها والتي ستعتمد المزيد منها في أوقات لاحقة·

مما سبق يتضح بما لا يدع مجالا للخلط أن العجز ليس عجزا حقيقيا وهو مصطنع وإن زيادة أسعار المحروقات والرسوم ليست هي المرهم الشافي لهذا الخلل بين ضفتي الميزانية العامة للدولة ونحن نهيب بالإخوة نواب الأمة الأفاضل مؤازرة الدعوة الى عقد جلسة مجلس الأمة الطارئة مع علمنا التام بأن الحكومة لا تعدم الوسيلة لإجهاض هذه المبادرة النيابية التي كفلها الدستور لهم مثلما لم تعدم الحكومة المبرر لحل مجلس الأمة بعد ختام أحد أدوار انعقاده في أثناء الفصل التشريعي في العام 1976 بعد الإشادة الكاملة والواضحة بتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية التي صرح بها نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك ·· نعم إنها الحكومة دائما هي وحدها التي تبدأ بالمناجزة وهي التي تفتعل أسباب الصدام·

�����
   
�������   ������ �����
 

5 أكتوبر المشؤوم:
محمد مساعد الصالح
الرسوم والتحرك الشعبي:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
محاكمة الضمائر:
د.مصطفى عباس معرفي
6 أكتوبر 1973:
يحيى الربيعان
حسابات قديمة:
عامر ذياب التميمي
الجدّة نوروود!:
إسحق الشيخ يعقوب
البوهيمية في إدارة الدولة!!:
سعاد المعجل
عن أي عجز يتحدثون؟!:
عبداللطيف مال الله اليوسف
الآباء ومعركة الاختفاء.. القلق.. البيجر!:
د· بدر نادر الخضري
قذف المحصنات:
أنور الرشيد
العراقيون والكويتيون وإنعاش الذاكرة:
حميد المالكي
مستقبل التعليم التطبيقي:
فوزية أبل