| الجنة بكسر الجيم هي الإصابة بالجنون فجأة، أي من دون مرض سابق ينذر بها، وتعريف الجنون مازال محل اختلاف بين علماء النفس والأعصاب· ولكن هذا لم يمنع سلطات الأمن في ولاية جورجيا الأمريكية ومن معهم من أطباء شرعيين من تفسير ما جرى في أتلانتا يوم الجمعة الماضي أن القاتل المنتحر فعل ذلك لأنه أصيب بلوثة أو جنة مفاجئة· وهذا المواطن الأمريكي الأبيض (واسمه بارتون) كان يعمل مندوب مبيعات، وهذه الفئة تعتمد أساساً على العمولات المترتبة على كمية المبيعات· ولهذا كان يدخر ويحاول استثمار مدخراته احتياطاً من احتمال البطالة وكساد السوق· وقد وظف مدخراته في البورصة من خلال مكاتب مالية متخصصة في مدينة أتلانتا (عاصمة الولاية)· ويبدو أنه خسر معظم مدخراته بدل أن يزيدها· وفي الرسالة التي تركها اتهم تلك المكاتب بأنها بجشعها خربت بيته· فهاجم مكتبين في بنايتين متقابلتين وأطلق النار عشوائياً فقتل تسعة أشخاص· وقد اتضح بعد ذلك أنه قتل امرأته وطفليه قبل إغارته على الجشعين· ثم أنهى حياته بنفسه·
وأول ما يقف المرء عنده هو كثرة حوادث القتل التي تصل في مدن مثل نيويورك أو ديترويت إلى أكثر من حادث واحد كل يوم حتى أصبح العنف سمة ثابتة في المجتمع الأمريكي· وندر أن يخلو بيت أمريكي من قطعة سلاح·· وتستند مشروعية حمل السلاح إلى نص في الدستور الأمريكي على حق المواطن في الدفاع عن نفسه وماله وأن يقتني وسائل هذا الدفاع· ووقت وضع هذا الدستور كانت الحكومة الفيدرالية محدودة السلطات والامكانات وتترك كثيراً من الأمور المهمة لسلطة الولايات· ولم تتأكد السلطات الفيدرالية إلا بعد الحرب الأهلية بين الولايات الشمالية التي كانت تريد إلغاء الرق والولايات الجنوبية التي تريد الإبقاء عليه· ودارت الحرب بين أهل الجنوب الذين يتمسكون بصيغة كونفيدرالية تترك سلطة التشريع فيه كاملة بيد حكومات الولايات، وأهل الشمال الداعين لدور أكبر للحكومة الفيدرالية· وعلى كل حال عاشت الولايات الغربية والجنوبية ذات حكومات لا تستطيع توفير أمن المواطن على نفسه وماله مما أكد حقه في اقتناء الأسلحة من دون قيد أو شرط ناهيك عن الترخيص·
وبعد تعاظم دور الحكومة المركزية إلى حد بعيد لم تنجح أي إدارة منتخبة في تنظيم تسجيل الأسلحة باسم مالكها أو حظر المدافع الرشاشة، فصناعة الأسلحة الصغيرة صناعة قوية النفوذ ولها جمعية اسمها "جمعية البندقية الوطنية" تمارس نفوذاً واسعاً في واشنطن وقد أدى هذا الوضع إلى أن الأطفال يرون في بيوتهم أنواع الأسلحة النارية، ويشاهدون على شاشات التليفزيون "أبطالاً" يجيدون الرماية· ويشهد على ذلك ما جرى في ولاية كولورادو من قتل تلميذين عددا من زملائهم ومعلميهم في داخل مدرستهما، وقتلت المقاومة الحدثين القاتلين·
ويمكن أن نضيف في حالة بارتون إلى أي حد يمكن أن يذهب ضحايا السوق· وكل ما نرجوه ألا تمتد جرعة الإعجاب بكل ما هو أمريكي إلى حمل السلاح واستخدامه· ومما يشغل المرء عندنا هو تكاثر حوادث القتل لأتفه الأسباب التي لا تخلو منها صفحة الحوادث في الصحف اليومية· |