| مع بداية كل تشكيل وزاري جديد تحتد ظاهرة الصراع الأزلي بين ألوان الطيف السياسي على "شنطتي" التربية والإعلام وترتفع الدعوات من كل جانب بإبعاد هاتين الوزارتين عن التوجهات السياسية، وفي الوقت نفسه، وعلى نقيض القول، يسعى كل طرف الى توزير من يحمل توجهاته السياسية لهذين المنصبين· ولو تفحصنا هذه الدعوات بدقة لوجدناها دعوات فارغة من المضمون بعيدة عن الواقع بل هي دعوات تخالف مفهوم التوزير كمنصب سياسي أولا وأخيرا، كما أن هذه الدعوات تحمل بين طياتها فهما خاطئا لقضية التوزير·
كلنا وبدرجات متفاوتة لا بد أن تكون لنا توجهات فكرية وسياسية ما، إذ لا يمكن للفرد العامل في المجال العام أن يكون بلا طعم أو لون، كما أن التوجه الفكري للفرد مطلوب في جميع القضايا العامة بما في ذلك التربية والإعلام وإلا تحول الوزير الى موظف عام من صف كبار الموظفين· والمنصب الوزاري منصب سياسي بالدرجة الأولى، مما يعني وجود تميز دقيق بين مهمة الوزير في أية وزارة وبين مهمة الطاقم الفني فيها، فالوزير مسؤول عن المشاركة في رسم السياسة العامة للدولة من خلال مجلس الوزراء وفي رسم السياسات الإجرائية لتنفيذ خطط الحكومة في وزارته، وبالطبع الإشراف على تنفيذ هذه السياسات·
ليس المطلوب من وزير الصحة، مثلا، أن يكون طبيبا مبدعا وليس المطلوب من وزير التربية أن يكون خبيرا دوليا في وضع المناهج وليس المطلوب من وزير الدفاع أن يكون مشيرا خاض حرب البلقان·· بل إن التجربة تشهد بشكل جلي على فشل عملية توزير المختصين في الوزارات التي تهتم في مجال تخصصاتهم غالبا، فالطبيب يحاول عند توليه وزارة الصحة الدخول في التفاصيل الفنية لوزارته وبذلك فقد يطبعها برؤاه لآماد طويلة، والقانوني عند تسلمه مقاليد الحكم في وزارة العدل يخلق من حوله مجموعة تتفق رؤاها معه على طول الخط وبذلك يحرم العمل العام من إبداعات وجهات النظر الأخرى·
التوجهات الحزبية والسياسية لا تشكل بحد ذاتها خطورة على المجتمع، بل على العكس من ذلك، فقد تكون عامل قوة لرؤية منهجية للقضايا ذات الصلة يحاول الفرد "الموزر" من خلالها تنفيذ خطط استراتيجية بعيدة المدى لتطوير الأداء العام في الوزارة والارتقاء بها· غير أن توزير السياسي، أو الحزبي حتى النخاع، يجب أن لا ينعكس على الأداء اليومي لعمل الوزارة أو على فئة الفنيين فيها من وكيل وزارة فما دون ذلك من مناصب· ويبدو أن الخلط في مفهوم الولاء الحزبي مع منظور الخدمة للصالح العام، هذا الخلط هو ما يجعل "الحزبيين" يرفعون ظاهريا راية النأي بوزارتي التربية والإعلام عن الكفاءات السياسية·· |