"الأسرة".. والدور المفقود
لعبت أسرة آل الصباح دورا محوريا في بناء المجتمع الكويتي الحديث منذ بداياته الأولى ولا تزال، فقد شكلت المعادل الموضوعي لاستقرار المجتمع عندما تمثلت فيها الأسرة الوسط التي ارتضاها الكويتيون حكما بينهم في وقت لم يكن لهذه البقعة من الأرض أهمية سياسية تذكر واستمرت العلاقة المتميزة بين أسرة الصباح والشعب الكويتي على خلاف كل المجتمعات المجاورة، والسبب كان في تميز الدور الذي تلعبه هذه الأسرة في علاقتها مع محيطها، فهي لم تأت كأسرة فاتحة ولم تحكم بالقوة والعنف والقسر بل أتت برضا الناس واختيارهم وتوافقهم واستمرت كذلك الى أن تغيرت علاقتها بالمجتمع مع بدايات نهج الانفراد بالسلطة الذي كان لابد وأن ينعكس على علاقات الأسرة بفئات المجتمع الكويتي نتيجة لما يحتمه الأسلوب الجديد من تحالفات وخصومات أدت الى الإخلال بوسطيتها المعهودة حينما لم تكن تنحاز لهذه الفئة أو تلك أو لهذه الجماعة أو تلك أو لهذه الطائفة أو تلك، أي بعبارة أخرى، أخلت بما اعتبر عاملا جوهريا في نجاحها في استقرار المجتمع الكويتي·
لقد حكم علاقة أسرة الصباح بالكويتيين منذ بدايات التاريخ المعاصر للكويت عقد اجتماعي غير مكتوب أساسه التشاور في كل أمر يهم المجتمع واستمرت علاقة الأسرة بمحيطها محكومة بهذا العقد غير المكتوب الى أن تم توثيقه بدستور 1962 كأساس للحكم يحمّل ذرية الشيخ مبارك الصباح مسؤولية الحكم وينص على كونه (الحكم) ديمقراطيا السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، أي أنه (الدستور) كرس التوازن الذي نشأ عليه المجتمع الكويتي ولا يرضى له بديلا·
إن عودة أسرة الحكم الى وضعها الطبيعي في المجتمع الكويتي مرهونة بمدى قدرتها على وقفة لمراجعة المواقف التي دفعت بها لتهميش الدستور وطمسه وللدخول طرفا مع هذا وضد ذاك في السياسة والتجارة والرياضة وحتى في الدين، وانحرفت بها عن دور المعادل الموضوعي الذي لا يزال مطلوبا وربما أكثر إلحاحا من ذي قبل·
إن وقفة كهذه وفي هذا الوقت بالذات ستكون مفيدة جدا كي لا تتحمل الأسرة بأكملها تبعات تنافس أجنحتها بهذا الشكل السافر والفج الذي استخدمت فيه كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة وجرت معهم أطرافا من المجتمع الكويتي كل "يدني النار صوب قرصه"·
إن استمرار الأسرة في هذا المنزلق سيبعدها أكثر عن موقعها المتميز تاريخيا ويفقدها وسطيتها التي يرتكز عليها استقرار وتوازن المجتمع ويهدد بقاء هذا الدور المتميز لها، وقد يقول قائل إن النأي بأبناء الأسرة عن السياسة والرياضة والتجارة إنما يمثل إبعادا لهم عن الحكم، وهو قول لا يسنده الواقع ولا تجارب التاريخ، فالحكم لا يكون عن طريق المشاركة في الحكومة أو رئاستها فقط، بل في الفصل الواضح بين الحكم والحكومة لا أن يخلط هذا بذاك وتضيع الخيوط الفاصلة بينهما، كأن تكون الأسرة وأفرادها روادا للحركة الرياضية لا أطرافا في إدارة الأندية الرياضية والاتحادات، وأن تكون للأسرة تجارتها ومالها وثروتها لا أن يكون أبناؤها تجارا ينافسون الصغير والكبير من "چبرة" الخضرة الى البورصة وما بينهما، وأن يكون أبناؤها داعمين للتوجهات الدينية السمحة التي وجد وجبل عليها أهل الكويت منذ نشأة الكويت الأولى لا أن يكونوا مع هذه الجماعة الدينية ضد تلك أو مع طائفة ضد أخرى، وأن يكون أبناء الأسرة مركزا يتمحور حوله أبناء الكويت على اختلاف نشأتهم الأسرية وانتماءاتهم القبلية أو الأسرية أو الطائفية، لا أن ينجذب هؤلاء الأبناء الى أشكال بالية من التنافس بين أبناء القبائل والأسر عن طريق نبش الماضي والتفاخر بما طواه التاريخ والتطور الإنساني، وأن يرتفعوا بأنفسهم وأسرتهم لا تكبراً على الناس فليست هذه من شيم الكويتيين، بل بأن يكونوا فوق التمايزات الأسرية والقبلية والفئوية، أي أن يكونوا كما بدؤوا وسطا بين أطراف المجتمع لا يميلون إلا مع الحق أيا كان صاحبه·
هذا الدور هو ما يمكن أن يعوّل عليه للمحافظة على الكويت واستقرارها وتماسك أبنائها في عالم تلاطمت فيه أمواج التطرف والإرهاب مع بدء مرحلة من التحولات الكبيرة والجذرية التي لن يسمح لأي مجتمع صغير كالكويت بالاستمرار إلا إذا استمرت مستقرة هادئة وهو ما لا يمكن أن يستمر إلا بمقومات هذا الاستقرار التي أثبت التاريخ نجاحها وفاعليتها·
* * *
التجنيس قرار سياسي.. لكن كيف؟
تسربت مؤخرا أنباء عن التلاعب والتجاوزات التي حدثت في ملفات وقوائم التجنيس الأخيرة لدرجة ضاع معها الهدف من بدء حملة التجنيس هذه، فقد استبشر الناس خيرا عندما أعلن النائب الأول لرئىس مجلس الوزراء وزير الداخلية ملامح آلية التعامل الحكومي مع قضية التجنيس، وقد طالبنا في حينها أن تتضح هذه الملامح أكثر وتقنن بشكل يمثل بداية لسياسة سكانية واضحة تتبناها الحكومة وتعالج معها الاختلالات السكانية بما فيها مشكلة البدون·
إلا أن المتابع لقوائم التجنيس ولما يكتب ولا يرد عليه من قبل المسؤولين يرى بما لا يدع مجالا للشك بأن هناك من داخل الحكومة من يريد إجهاض محاولة الحكومة لتحريك ملف التجنيس بشكل صحيح، حيث تدخل هؤلاء لتحويل التجنيس من سياسة سكانية لها أهدافها الى سياسة تنفيع وشراء ولاءات أو دفع فواتير سياسية سابقة أو لاحقة، وليت هذا تم في إطار الآلية التي أعلن عنها وزير الداخلية (إحصاء 65 وعدم وجود القيد الأمني) فما حدث تجاوز وبشكل انتقائي ومصلحي هذه الشروط، فتم تجنيس من ليس لديه إحصاء 1965 وجنس من عليه هو شخصيا وليس أحد من أقاربه قيود أمنية بل وصل الأمر الى تجنيس محكوم بقضية مخدرات بينما حرم من التجنيس من تنطبق عليهم الشروط ولم تتوافر لهم "الواسطة" النيابية الكافية لتحريك الملف·
النتيجة بعد كل هذا التلاعب الفج هي اختلاط الأمور مرة أخرى فمن لا تتوافر فيه الشروط ينتظر أن يتم استثناؤه كما حدث مع غيره ومن تتوافر فيه جميع الشروط يشعر بالغبن والأسى، إما لعدم توافر "الواسطة" أو المال لتحرك ملفه·
إن الآلية التي أعلن عنها وزير الداخلية واضحة وإن كانت فضفاضة، يضاف الى ذلك أن اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير مشروعة (لجنة البدون) كانت قد انتهت مهمتها منذ زمن وصنفت الملفات على الوجه الذي طلبته القيادة السياسية ولم يبق سوى اتخاذ القرارالسياسي بناء على القوائم المعدة والأولويات التي تراها القيادة السياسية، أما أن يتخذ القرار السياسي ثم يعبث من له مصالحه الخاصة بالقوائم المعتمدة على تلك الأسس فهذا أمر لا يمكن فهمه إلا على أنه اختراق خطير في أجهزة أمنية يفترض فيها أن تكون الأكثر حرصا على هذا الجانب·
إن التلاعب الذي حدث في إسقاط أسماء وإدخال غيرها وكذلك الاستخدام الفضفاض لـ "الخدمات الجليلة"، وتنفيع نواب بعينهم، كل هذا أدى الى فقدان الثقة في أسلوب معالجة قضية التجنيس وأثار خشية الكثيرين سواء من هم ضد فتح باب التجنيس أو الذين يريدون فتحه بشكل صحيح، الأمر الذي سيضيف الى الانقسامات المجتمعية ويعمقها·
المطلوب وبشكل ملح جدا أن توضع آلية واضحة ودقيقة وتفصيلية مبنية على ما أعلنه النائب الأول كإطار عام ثم توضع قوائم على أساسها تعطى الأولوية للفئات التي تنطبق عليها تلك الآلية ثم تباشر الحكومة في عملية التجنيس من دون استثناءات لهذا أو ذاك لأن مجرد البدء في الاستثناءات يعني نسف الآلية بكاملها·