
برحيل عبدالعزيز حمد الصقر تودع الكويت واحدا من أعز أبنائها وأبرز رجالها ومن أهم بناة نهضتها، فهو واحد من جيل العمالقة الرواد الذين وضعوا الأساس الراسخ للكويت الحديثة·· دولة للمؤسسات وقاعدة للنمو الاقتصادي وإطارا لتوفير الخدمات الاجتماعية لكل المواطنين·
على مدى أعوام النصف الثاني من القرن الماضي كانت شخصية عبدالعزيز الصقر تلقي بظلالها على اتساع رقعة الوطن متواجدة في كل جزء من حركة المجتمع·
اهتماماته وإسهاماته امتدت لتغطي مجالات كثيرة ومتعددة من حياة الكويت، في نصف القرن الماضي فشملت الاقتصاد والسياسة والأعمال الإنسانية·
ففي مجال الاقتصاد كان مساهما في بداية عصر النفط في تأسيس أهم المؤسسات الاقتصادية ومنها بنك الكويت الوطني والخطوط الجوية الكويتية وشركة ناقلات النفط وترأس في فترات مجالس إداراتها·
وعندما تأسست غرفة تجارة وصناعة الكويت تبوأ رئاسة مجلس إدارتها على مدى 36 عاما وبقيادته لم تقتصر الغرفة على احتواء وتمثيل تجار الكويت بل جعل منها مؤسسة وطنية شامخة رفيعة البنيان لها حضورها ودورها الاجتماعي والسياسي الوطني وبفضل قيادته تمتعت بمكانة عربية ودولية بارزة، تجلى ذلك بانتخابه رئيسا لاتحاد غرف التجارة في دول الخليج (1992-1994) ورئيسا لاتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة العربية عام 1996·
وفي مجال الأعمال الإنسانية شمل نشاطه رئاسة اللجنة الشعبية الكويتية لجمع التبرعات التي كانت لها الإسهامات الباهرة في نصرة قضايا الأمة العربية وأقطارها في ظروف المحن، كما شمل نشاطه رئاسته لجمعية الهلال الأحمر الكويتية·
وعلى أهمية مساهمة الراحل في المجال الاقتصادي وميدان الأعمال الإنسانية إلا أن أهم بصماته وإنجازاته كانت في ميدان السياسة، فهو قبل ذلك وبعده واحد من الرواد العمالقة الذين كرسوا حياتهم لتشييد صرح الديمقراطية وترسيخها في الكويت والمحارب الشجاع الذي لم يبخل بتقديم ما تتطلبه من تضحيات للمحافظة عليها والتمسك بها، فقد كان بقوة بأسه وصلابة مواقفه عمود الخيمة للوحدة الشعبية، كان دوما هو من يستقطب القوى السياسية والاجتماعية ويوحد مواقفها وقت الأزمات·
كانت مواقفه السياسية واضحة متزنة جريئة صلبة بمستوى ما تتطلبه مصلحة الوطن·
تجلت صلابة تلك المواقف الوطنية عندما اختلف أعضاء المجلس البلدي وكان أحدهم مع الشيخ فهد السالم وإصراره هو ويوسف ابراهيم الغانم على أن لا يتولى المجلس المشترك المكون معظمه من أبناء الأسرة وضع الدستور وأن توكل تلك المهمة الى مجلس تأسيسي منتخب وهو ما حظي بموافقة ودعم الشيخ عبدالله السالم، وموقفه في مجلس الأمة الأول الذي كان رئيسا له، وتخليه عن الرئاسة فيما عرف بأزمة الوزارة عام 1964، وموقفه بعد حل مجلس الأمة عام 1986 هو ورفاقه وعلى رأسهم المرحوم عبداللطيف ثنيان الغانم ورفضهم تعديل الدستور بواسطة ما سمي بالمجلس الوطني، وقدموا المذكرات التي شارك في توقيعها 200 شخصية وطنية تؤكد على الالتزام بدستور 1962، ثم كانت وقفة عبدالعزيز الصقر الكبيرة أثناء الاحتلال، فقد كان في مقدمة قطاع واسع من المواطنين الذين عملوا بدأب من أجل تحرير الكويت، واستشرفوا رؤية معركة التحرير التي تتطلب إبراز وجه الكويت الحضاري للعالم، الذي يحترمها كنظام دستوري، ديمقراطيتها تستحق المساندة والتأييد·
وقاد المطالبة الشعبية في مؤتمر جدة التاريخي بأن يصدر قرارا واضحا يلتزم بالشرعية الدستورية بقيادة الأمير في إطار دستور 1962·
وفي مؤتمر جدة توج "بو حمد" كفاحه الوطني، متحدثا باسم جميع أبناء الكويت بإلقاء خطابه التاريخي الذي يعتبر من أهم الخطابات السياسية في حياة الكويت·
وبعد التحرير تمسك مع القوى الشعبية بعودة العمل بالدستور وإجراء انتخابات لمجلس الأمة ورفض عودة ما سمي بالمجلس الوطني كما كانت ترغب السلطة·
نتذكر تلك المواقف الوطنية الأصيلة التي تميزت بالشجاعة والنظر الثاقب والحنكة السياسية و"الكاريزما" القادرة على استقطاب الإجماع الوطني·
وعندما كان بو حمد يوظف كل طاقاته وقدراته لما تتطلبه مصلحة الوطن لم يكترث بما يجلبه ذلك من أضرار على مصالحه ومصالح أسرته التجارية، فبالنسبة له مهما كانت التضحيات باهـظة ومكلفة فهي تهون في مصلحة البلد·
برحيلك يا أبا حمد يا عملاق العمل الوطني ستفتقدك الكويت وأهلها، فغيابك خسارة عظيمة يصعب تعويضها· عزاؤنا بأن مواقفك الوطنية الكويتية والعربية القومية ستبقى نبراسا يضيء الطريق وتراثكم قدوة يتمسك بها أبناؤك·
تغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك فسيح جناته·