مؤلم جداً ألا يشعر مواطن بالأمان في وطنه لأي سبب كان·· وأن يطلب الدكتور أحمد البغدادي الكاتب الصحافي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت منحه حق اللجوء إلى أي دولة من دول العالم المتحضر بسبب شعوره بالخطر الذي يتهدد حياته، وبسبب فقدانه للحرية التي يريد أن يحياها، ووصول "السكين إلى حد الرقبة" على حسب تعبيره فهذا أمر معيب ومخجل ويعيد فينا الجدل - الذي هو مستمر أصلا - حول حقيقة ما ندعيه ليلا ونهاراً كدولة ومجتمع بأن بلدنا ديمقراطي والحريات فيه بأنواعها مكفولة، لكل من يعيش على أرضنا؟!!
لقد أصبحنا - بجدارة - دولة في "الشكل" "ديمقراطية" أما المضمون والواقع يشيران إلى استبداد يتسع يوما بعد يوم، فنحن لدينا دستور معتبر ولكن ممارسات القوى النافذة تحاول الالتفاف عليه بكل السبل المتاحة لها، وأعضاء السلطة التشريعية نختارهم من الناحية الإجرائية بانتخابات "حرة" ومباشرة، ولكن ما يجري خلف الكواليس - بل وأمامها - يكشف عن تدخلات تخل بأصول العمل الديمقراطي·· والحريات بأشكالها المختلفة مثل حرية الاعتقاد وحرية التعبير عن الرأي وحرية النشر وحرية التجمع وحرية التظاهر وحرية تشكيل الجمعيات والنقابات كلها مكفولة في دستور 1962 ولكن واقع الحال يندى له الجبين، فكل واحدة من هذه الحريات يذبحها كل يوم وأمام نظر الجميع حلف الاستبداد الذي يجمع قوى الفساد في "السلطة" بقوى التخلف في "المجتمع"·
لقد استمرأت قوى التخلف المتأسلمة إرهاب الكتاب والأدباء مستخدمة في ذلك سلاح "الحسبة" الذي يتيح لأي فرد أن يلجأ إلى القضاء مشتكياً من مقال هنا أو رأي هناك لا يمسه شخصياً، وبسبب الشحن الإرهابي الذي تلقنه قوى التخلف المتأسلمة لأتباعها يتبارى هؤلاء المغرر بهم - وبتوجيه منظم - في التنافس على استخدام القانون المعيب الذي يتيح لهم إقصاء المختلفين معهم وقتلهم معنويا وإيقاع الضرر بهم اجتماعيا ونفسيا رغم أنهم في قرارة أنفسهم يعتبرون هذا القانون قانونا وضعيا كافرا ولو سمحت لهم "الظروف" لأخذوا ما يعتبرونه حقا للدين بأيديهم فيجلدون ويرجمون ويحزون الرقاب ولكنها "الميكافيلية" التي يتقنونها حيث "الغاية تبرر الوسيلة"، فهم يصبرون إلى حين·
كنا نفتخر بأننا الدولة العربية الوحيدة - بل في دول العالم الثالث كله - التي لا يوجد فيها سجين رأي واحد كما لا يوجد فيها سياسي منفي في الخارج فأصبحنا بسبب تراجعنا في كل مجال وافتقادنا للريادة في المنطقة بلد يلجأ فيه أستاذ أكاديمي كالبغدادي إلى طلب اللجوء إلى أي بلد من بلاد الله "المحترمة" هرباً من ظلم القوانين الجائرة·
ونتساءل بحرقة: هل وصلت بنا الحال من الخنوع بحيث لا نستطيع أن نشرع قانونا عصريا للمطبوعات والنشر يتيح فضاء رحبا من الحريات التي هي مؤصلة في الدستور؟! وهل وصل بنا العجز الى الدرجة التي نتفرج فيها على عنتريات قوى التخلف ودون أن نحرك ساكنا؟! وهل سيبقى سيف "الحسبة" مصلتا على رقابنا؟!
أسئلة نتركها بعهدة الحكومة وأصحاب الضمير من نواب الأمة··