لا تزال أصداء استجواب النائبين أحمد المليفي وعلي الراشد لوزير الدولة محمد شرار تشكل مصدراً للتناول السياسي بين من يرى في الاستجواب نجاحاً للمستجوبين ومن يرى فيه ضياعا لفرصة سانحة لمعاقبة وزير ثبتت مسؤوليته عن مخالفات في الجهات التي تتبعه سياسياً.
الجدل الدائر حول قراءة نتائج الاستجواب يشكل فرصة لمراجعة الوضع الذي وصل إليه حال مجلس الأمة والذي اعتبر معه التكتيك لإحالة ملف الاستجواب إلى ديوان المحاسبة نصرا واضحا بينما الأداة الدستورية المستخدمة وهي الاستجواب تجيز محاسبة الوزير إن ثبتت علية المسؤولية السياسية·
إن قراءة دقيقة لهذا الأمر تشير الى تقويض جوهر المبدأ الدستوري، وإجهاض مبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها، وتبين بجلاء أن مجلس الأمة الحالي ليس سوى نتاج طبيعي لهيمنة الحكومة على نتائج انتخابات مجلس الأمة، وما ترتب عليها من انتفاء أغلبية من يصلون إلى كرسي البرلمان، مما أدى الى إلغاء الدور الحقيقي للسلطة التشريعية ليس في مجال الرقابة على السلطة التنفيذية فحسب بل كذلك في مجال التشريع، فبعد أن استنفدت القوى المعادية للدستور كل وسائل تعديل "تنقيح" الدستور قررت أن تتحايل عليه ليبقى من دون تعديل فيما تقوم هي بتمرير قوانين تتناقض معه كلياً ومن خلال المؤسسة التي يفترض فيها أن تنتصر للدستور، وتقف في الوقت نفسه ضد أي تشريعات تحفظ هيبته وللمؤسسة التشريعية دورها كموقفها من تعديل الدوائر الانتخابية على سبيل المثال·
إن ما آل إليه مصير الاستجواب لا شك يعكس وضعا يائسا ألا وهو عدم قدرة المجلس على تفعيل سيف المساءلة الباتر في مواجهة وقائع الفساد والعبث بمقدرات الدولة والمخالفات والتجاوزات الجسيمة التي كشفها الاستجواب وما انتهاء الاستجواب، بالإحالة الى ديوان المحاسبة إلا دليل على مدى ضعف المجلس الذي لم يكن بإمكانه استخلاص موقف أقوى من ذلك·