لا يزال البعض ينظر إلى التطورات المتسارعة في العراق بشكل محدود وجزئي وليس كاستثمار لنا نحن مصلحة إستراتيجية واضحة فيه علينا أن نرعاها ونعمل جاهدين لتحقيقها لا أن نبحث عن جزئيات ونضخمها بشكل تضيع معه البوصلة·
فعلى الرغم من أهمية التفاصيل الصغيرة وضرورة متابعتها وقراءتها بشكل دقيق وضمن سياق ورؤية واضحين، إلا أن المطلوب التركيز على الصورة الكبرى وما يمكننا كمجتمع ودولة وحكومة فعله ليتحول العراق إلى دولة ديمقراطية مستقرة تسير على خطى التنمية المستقلة، فمصلحتنا ربما قبل أي دولة أخرى من دول جوار العراق تقتضي أن نفعل ذلك، فنحن بعد الشعب العراقي وإيران من عانى من حكم الطغيان الفردي وليس من خيار أمامنا ضمن كل المعطيات المحلية والإقليمية والعالمية سوى مساعدة العراق على الاستقرار الذي حتماً سينعكس استقراراً لنا·
أما هذا العراق الذي نأمل أن يتحول إلى عراق ديمقراطي فلابد أن نتوقع أن نسمع أصواتا لا تعجبنا كما من المتوقع أن يسمع أشقاؤنا في العراق من بيننا أصواتا لن تعجبهم، فهذا هو تحديداً أحد أهم أوجه الديمقراطية المنشودة وهو ما يضمن أن لا يبقى في الصدور ما يمكن أن يضمر فيها وينفجر في وقت لم يحسب حسابه أحد·
إن استمرار بعضنا في النظر بحساسية شديدة وعدم مراعاة المتغيرات السياسية يعبر عن رغبة في عودة الكويت إلى نهج كانت قد لفظته عندما اكتشفت أنها أرادت عزل النظام الصدامي البائد طيلة عقد من الزمن وإذا بها قد عزلت نفسها ليس كنتيجة لتدخل ذلك النظام وشرائه أصواتا إعلامية عربية فحسب بل بسبب تصرفاتنا نحن على المستويين الرسمي والشعبي، حيث قسمنا العالم وبشكل انفعالي وليس براجماتيا مصلحيا إلى دول "الضد" و"المع" وخسرنا بذلك فرصاً سياسية كبيرة لتحقيق مصالحنا الوطنية بينما عدنا وبعد فوات الأوان وأعدنا علاقاتنا مع "الضد"·
المطلوب منا وعلى كل المستويات أن ننظر إلى مصلحتنا كشعب ودولة نظرة بعيدة المدى ونعمل على ذلك الأساس متذكرين أن الانفعالات بكل أشكالها هي من صفات الأفراد وليس الدول·