رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5 جمادى الأول 1425هـ - 23 يونيو 2004
العدد 1633

رأي الطليعة
البدون مرة أخرى

لا تزال معاناة الآلاف من الناس الذين يعيشون بيننا ماثلة للعيان من دون تحرك جدي لمعالجة أوضاعهم الإنسانية والقانونية والسياسية، ولا تزال الحكومة تطبق برنامجها الذي بدأت في تطبيقه من العام 1987 بالتضييق على هذه الفئة في جميع جوانب الحياة بما في ذلك حرمانهم من التعليم والعمل والتطبيب والتنقل، وغيرها من الحقوق المقرة عالمياً ضمن أهم حقوق الإنسان، في مسعى من الحكومة للضغط عليهم كي يكشف من لديه جنسية أخرى عنها·

ورغم مرور كل هذه السنوات على تطبيق تلك السياسة غير الإنسانية التي لو كانت سياسة صحيحة لأمكنها فرز المنتمين لهذه الفئة إلى فئات جزئية منها من ترى الحكومة أحقية حصولهم على الجنسية الكويتية ومنها من ترى أن عليهم ملاحظات أمنية (بمعنى أن عليهم شبهة التعاون مع سلطة الاحتلال الصدامي للكويت)، وفئات أخرى· نقول رغم كل هذه السنوات لا يوجد أي مؤشر على وجود تصور واضح لدى الحكومة لمعالجة هذه القضية بكل جوانبها، فلا تزال الحكومة تتجاذبها أراء أفراد هنا وهناك ولا يقودها في الغالب الأعم سوى الهاجس الأمني الذي تراه أهم حتى من التعرض لانتقادات المهتمين بحقوق الإنسان في مختلف دول العالم وكذلك المؤسسات الدولية المهتمة بهذا الشأن على الرغم من انحسار أهم عامل قلق أمني بعد سقوط نظام الطاغية صدام·

إن قضية البدون وجدت أصلاً بفعل مواقف حكومية سابقة أسست لهذه المشكلة وشجعت على استمرارها وعلى الحكومة تحمل العبء الأخلاقي والإنساني والسياسي لما أوجدته هي ويعاني منه الآن الآلاف، والعلاج الذي ترى صعوبة تطبيقه اليوم سيكون أكثر صعوبة في الغد، لأن هذه الفئة كغيرها من خلق الله في ازدياد مضطرد، ولا بد للحكومة من أن تضع حلاً يأخذ الجوانب الإنسانية لمن لا ترى لهم حقاً في الحصول على الجنسية إن وضعت لذلك آلية وشروطا، وأن تجنس من تراهم مستحقين فلا مبرر لتضييع حقوق هؤلاء بحجة انتظار الحل الشامل الذي لا توجد أي مؤشرات عليه، أما المعالجة الإنسانية التي يجب أن تشمل كل الذين صنفتهم الحكومة ممن لا يستحقون الحصول على الجنسية فعلاجها يمكن أن  يكون في إطار التصديق على اتفاقية جنيف الدولية لعديمي الجنسية، والتي لا تشكل أي التزام بالتجنيس في المستقبل إنما توفر الإطار القانوني الذي من خلاله يمنح هؤلاء الناس الحق في العمل والتنقل والعلاج والتعليم وغيرها من الحقوق الإنسانية المحرومين منها، حتى الأطفال الذين يفترض أن تشملهم اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها الكويت والتي تلزمها بتوفير فرص التعليم لكل الأطفال الذين يعيشون على أرضها·

أما من ترى أن عليهم ملاحظات أمنية، فلِمَ لا تقدِّم الحكومة ما لدَيها من أدلة إلى القضاء وتطبق القانون على من تثبت إدانته؟ ويعامل من دون هذه التهمة المستمرة من لا تثبت عليه، فلا يعقل أن يعامل الناس بناء على معلومات وملاحظات وأقوال من دون محاكمة لأن المبدأ الإنساني والقانوني ينص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية لتوفير أجواء العدالة·

�����