مع كل قمة لأنظمة الحكام العرب نسمع عن "الظروف الاستثنائية" التي تنعقد فيها وصعوبة الوصول إلى اتفاق حتى حول جدول الأعمال أحياناً كثيرة، ويجتمع الموجود من الحكام بعد اعتذار المريض والمحتج وانسحاب "المختلف" وبين بهرجة الافتتاح وهوجة الختام يغادر "المشغولون" منهم لارتباطهم بـ "رعاية شعوبهم"، ويتلى علينا البيان الممجوج الذي يعاد استخدامه "حفاظاً على البيئة"، وتصدح أجهزة إعلام الأنظمة بـ"الإنجازات العظيمة" والتوصيات التي من شأنها أن تحل "لو أتيح لها أن ترى النور" مشكلة فلسطين والعراق ولبنان والسودان والجزائر وحتى مشاكل الخليج، ويقال إن القمة الأخيرة نظرت في فكرة "الإصلاح" وتوصلت إلى قرار يترك لكل دولة حرية التحرك بشكل ينسجم مع "ظروفها الخاصة"!!
ورغم كل أشكال الفشل السافر والذريع للنظام العربي الرسمي، وبسبب "أخلاقيات" العروبة المرتبطة بالشهامة والإخلاص يرفض هذا النظام الرسمي أن يعترف بموت أدنى شكل من أشكال "التضامن" ويصر على عدم إصدار شهادة الوفاة ويشرع في قبول التعازي سواء في جامعة الدول العربية أو لقاءات "القمم"، ويتعامى المجتمعون عن كونهم سبب المشكلة أي لا يمكن أن يكونوا السبب والعلاج في آن واحد·
والمشكلة باختصار شديد أن هذه الأنظمة لا يوجد من بينها من يمثل شعبه بشكل صحيح ولا يوجد من بينها حاكم واحد اختاره الشعب بطريقة ديمقراطية وبحرية وبعيداً عن "تضبيط" وزراء الداخلية، الجميع يتحدث باسم الإنسان العربي والأخير مسحوق حياً أو مدفون في مقابرهم الجماعية والفردية التي لا تكتشف إلا بعد زوال "القائد"، أو في سجون لا تعرف للضوء لوناً أو للهواء رائحة أو للماء طعما إلا مُلَوَّثًا بآلام الباحثين عن أدنى أشكال الكرامة الإنسانية·
فيا سادة، ليتكم تفعلون معروفكم الوحيد علينا، من المحيط إلى الخليج، وتكفوننا شر "إنجازاتكم" فو الله ما أجمعتم على خير هذه الأمة مرة ولن تجمعوا·
وانتصر العرب في رفح
بينما اجتمع الزعماء العرب في تونس وبحثوا "كل قضايا الكون" كان المجرم شارون يعيث في غزة ورفح بالتحديد فساداً ودماراً وَتَجْرِيفًا للشوارع وهدماً للبيوت على رؤوس أصحابها وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً وقصف المدنيين المتظاهرين بشكل سلبي يحصد من بينهم الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، كل ذلك وتخرج القمة العربية من ضمن توصياتها برفضها قتل المدنيين (أيا كانوا)، وهو أمر لا خلاف عليه لكن الذين كانوا يقتلون في تلك الأثناء ليسوا أي مدنيين بل تحديداً أبناء مدينة رفح الفلسطينية·
في دول العالم حيث الشعوب الحية، عبرت تلك الشعوب عن مواقفها وعبرت بعض الحكومات التي إما أنها صاحبة موقف واضح من القضية الفلسطينية أو أنها أمام شراسة شارون لم يعد خيار الصمت متاحاً لها، وبينما يشجب العالم يستمر شارون في إرهابه، بينما العرب يرقصون فرحاً لأن أمريكا لم تستخدم حق الفيتو عند إدانة إسرائيل فهي امتنعت فقط عن التصويت، ويا له من انتصار عربي سيسجله التاريخ!!
··ولا عزاء لأهل الخليج
وبينما يتنادى البعض بالإصلاح والانفتاح على الشعوب وإشراكها في اتخاذ القرار ويستمتع بمدح المؤسسة الرسمية الأمريكية باعترافها بهذه "الخطوات المتقدمة"، بينما يحدث كل هذا ويصدق بعضنا الظن ويبلع المقلب ضاحكاً، تذكّره حكومات الخليج "الديمقراطية" أو تلك التي "تسير" على الطريق نحو الديمقراطية، بأنه حالم لا محالة وأن أبسط حقوق المواطنين وليس "الرعية" في مخاطبة السلطات غير متاح، فعندما يحاول مصلحو المجتمع كتابة النصيحة للحاكم وبشكل لبق ومؤدب للغاية وبعد كل آيات التبجيل والثناء والشكر، يرد عليهم بالحبس والتنكيل والإحالة إلى "الشرع" والتفاقم بالسيف أو المحكمة (لا فرق)، وعندما يجرؤ البعض على الخروج بمظاهرة سلمية "للتنفيس" أو للتعبير السلمي عن الرأي، يطلق عليه الرصاص أو يقمع بآليات غريبة الألوان والأشكال ومن يُلق عليه القبض ير نجوم الظهر في ظلمة الحبس، ومن يدع الناس إلى ندوة في ديوانيته لمناقشة أمر عام فإنه يحال إلى النيابة للمحاكمة كونه خالف قانونا لا يسمح لأكثر من عشرين شخصاً بالاجتماع إلا بعد أخذ الإذن من السلطة الحاكمة·