الحوار أسلوب حضاري لطرح أفكار متعارضة أو مختلفة بين طرفين أو أكثر لدى كل منهم الاستعداد لسماع رأي الآخرين وربما الاقتناع به إن تمكن أصحابه من طرحه بشكل مقنع، أما أن يلتقي مسؤول بمجموعة من الشخصيات ذات الرأي والمعرفة ويستمع إلى ما لديهم وقالوه بكل صراحة حباً في وطنهم ثم لا يأخذ من قولهم شيئا فهذا ليس حواراً ولا جدوى منه، أو أن يلتقي المسؤول بمجموعة من الشخصيات يلقي عليهم رأيه من طرف واحد ولا يستمع لآرائهم، فهذا إملاء وليس حوارا هو الآخر، أو أن يلتقي المسؤول بأشخاص يعرف أنهم طرف في المشكلة وينتهي "الحوار" معهم بوعود سبق وأن أطلقوا مثيلاتها دون تطبيق، ولم ينالهم شيء من "احمرار العين" من قبل وهم على يقين أن شيئاً من هذا القبيل لن ينالهم إن تكرر فعل كوادرهم الحزبية، فهذا وإن أخذ شكل الحوار فلا جدوى منه البتة·
لقد مرت الكويت بــ "حوارات" سابقة عندما حل مجلس الأمة، وعلقت مواد الدستور، وهب الكويتيون لاستعادة حقوقهم المكتسبة وشكلوا "الحركة الدستورية" التي عرفت بدواوين الاثنين وإذا بفكرة "الحوار" تطفو على السطح، ورغم معرفة الكثيرين آنذاك بأن ما تمت دعوتهم إليه لم يكن حواراً على الإطلاق، إلا أن بعضهم ذهب سعياً وراء أمل مستحيل، ورغم أن من التقوا سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء آنذاك الشيخ سعد العبدالله صدقوه القول فيما كانوا يرون ضرورة فعله، إلا أن النتيجة أن ما أعلن بعد ذلك "الحوار" وعلى لسان من تمت محاورتهم: أن الكويتيين جميعاً لا يريدون عودة المجلس وأنهم مع فكرة إنشاء المجلس الوطني (سيء الذكر)·
اليوم يتذكر الناس تلك الحوارات ولسان حالهم يقول: إن الأفعال أكثر جدوى من الأقوال وبخاصة أن ما يمكن أن يقوله الناس للمسؤولين لن يخرج عما قالوه من قبل وكرروه مئات المرات من دون أن يروا لقولهم نتيجة، لذلك ومن أجل إغرائهم بجدوى وأهمية الحوار لابد للمسؤولين من تنفيذ شيء من نصائح وآراء من حاوروهم، ولعل في موضوع تقسيم الدوائر مجالاً لإثبات عكس انطباعات الناس عن جدوى الحوار، فلقد استمع المسؤولون إلى كثير من آراء الناصحين بشكل مباشر أو بالكتابة وليس علينا سوى انتظار القليل القادم من الأيام لنرى!!
الفتن الطائفية تبدأ صغيرة
تكررت في الآونة الأخيرة أحداث صغيرة ذات مدلولات خطيرة إن هي تركت دون معالجة على أسس وطنية، فرغم عدم نشر الصحافة اليومية لتفاصيل أو حتى أخبار بعض الأحداث ذات النفس الطائفي، إلا أن المتأثرين بتلك الأجواء ومن تربوا خلال العقود الثلاثة الماضية في بيئة إلغاء الآخر يجدون فيها أحداثاً ذات مغزى كبير بل ويتصور بعضهم أن عليه واجباً دينياً تجاه التعامل "بحزم" مع من يراهم "خارجين عن الملة" أو بالأصح خارجين عن فهمه الضيق للدين·
إن التكتم على هذه الأعمال التافهة إنما يعطيها بعداً أكبر ويحولها إلى قصص تتضخم كلما نقلت من شخص إلى آخر حتى تصل عند البعض، في غياب الخبر الدقيق عنها، إلى أحداث جسام· لذلك فإن التعامل الأصح مع الأفعال الفردية التي تعبر عن نفس طائفي أو عرقي أو أي شكل من أشكال التمييز بين الناس يجب أن يكون في حدود تطبيق القانون على هؤلاء الأفراد وبشكل يؤكد هيبة القانون واحترامه·
أما المعالجة المجتمعية الجذرية فيجب أن تتعامل مع البيئة التي تربى عليها وفيها هؤلاء الناس المرضى الذين لا يرون الصحيح إلا فيما يفعلونه ولا الدين إلا فيما يؤمنون به ولا يرون من يستحق الحياة إلا من كان منهم·
هذه البيئة التي تربى وترعرع فيها هؤلاء ورعتها الحكومات المتعاقبة حتى فرخت أشباه بن لادن والظواهري ومؤيديهم ممن سخروا مساجد الدولة ومدارسها وأموال الخير فيها لدعم جماعاتهم، ولتربية أجيال من التكفيريين الذين لا يقف سلوكهم عند إرهاب أهلهم في قائمة المحرمات والممنوعات والفتاوى الجاهزة ممن أعلنوا أنفسهم وصحبهم "شيوخاً" يتصدر صغار السن منهم مجالس الكبار ويتحدثون بسلطة الدين وهيبته وهم في حقيقة الأمر لا يفقهون منه أكثر مما لقنهم إياه "أمراء" جماعتهم، هذه البيئة هي التي تحتاج إلى علاج يشمل التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية (بعد أن تُخلَّص من قبضة أحزاب التطرف الديني)، هذا العلاج يجب أن يصبح شأناً مجتمعياً يشارك فيه جميع الرافضين للتطرف والعنف والإرهاب بكل أنواعه، يصاحبه سلوك مختلف للحكومة التي لابد وأن تعلم أنها قد خلقت مارداً أرادت به إضعاف خصومها فإذا به يخرج عن سيطرتها ويملأ العالم صخباً وتخريباً بل ويعود لينبش أحداثا تجاوزت أربعة عشر قرناً من الزمن ليحدد على أساسها مصيرنا ومصير أطفالنا اليوم غير عابئ بتجارب الشعوب الأخرى التي تقاتلت على مثل تلك التفاصيل عقودا من الزمن ولم تصل فئة من تلك الفئات المتقاتلة إلى مبتغاها في التخلص من الفئات الأخرى، ولم تحصد هي أو مجتمعاتها سوى الدمار والقتل والتراجع وضياع فرص العيش بسلام·