رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10 صفر 1425هـ - 31 مارس 2004
العدد 1621

رأي الطليعة
الهــــروب من مواجهة الذات

بعيدا عن النواحي البروتوكولية الإجرائية، موضع التجاذب بين الأنظمة العربية بشأن إلغاء مؤتمر القمة في تونس، فإن فشل المؤتمر ما هو إلا إعلان رسمي عن إفلاس الأنظمة العربية، العاجزة عن تلبية استحقاق الإصلاحات السياسية في أقطارها والساعية الى التهرب منها وترحيلها الى أجندة إصلاح الجامعة العربية رغم أن الجامعة ما هي إلا بناء جدرانه وأعمدته هي الأنظمة، فكيف يستقيم بناء أعمدته وجدرانه مهترئة ومنتهية الصلاحية؟ فالعلة كامنة في أنظمة منخورة بالفساد، جاثمة على أنفاس الشعوب، متشبثة بالسلطة وبكراسي الحكم، حابسة لتيار التطور، ومعيقة لمسار التنمية، فهل ينتطر من هكذا أنظمة رافضة لإجراء إصلاحات داخلية في أقطارها أن تنجز إصلاحا شاملا على مستوى الوطن العربي؟!·

وهل ينتظر منها بعد أن وقفت متفرجة على مدى عامين على جرائم إسرائيل باغتيال الفلسطينيين وتدمير بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم ومدارسهم دون أن تجرؤ حتى على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل حسب قرارات القمة السابقة، أن تقف الآن لتتصدى لإسرائيل وسندها أمريكا بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين؟!·

 التفاصيل التي لفّت مؤتمر وزراء الخارجية العرب في تونس ليست هي المهمة حتى وإن أدت الى تأجيل - أو بالأحرى إلغاء - مؤتمر قمة رؤساء الدول العربية· وسواء كان السبب وراء تأزم عقد القمة الاختلاف حول موضوع نشر الديمقراطية في العالم العربي وفق ما جاء في المبادرة الأمريكية "الشرق الأوسط الكبير"، أو بسبب "زعل" التوانسة من عدم حضور معظم القادة العرب واقتصار تمثيل وفودهم على وزراء خارجياتهم، أو بسبب ما أشيع عن مطالب أمريكية بضرورة إدانة القمة العربية لمنظمات العمل المسلح في فلسطين وعلى رأسها "حماس" و"الجهاد الإسلامي"·

فالقضية الأساسية في تأزم أوضاع القادة العرب تبقى أن الأسرار لم تعد أسرارا وكل شيء بات مكشوفا ولم يعد بالإمكان إخفاء شيء عن الشعوب في ظل الثورة المعلوماتية الهائلة التي جعلت الفلاح البسيط في أي قرية عربية نائية عن مركز القرار يتفرج على الخلافات العربية - العربية وعلى تخاذل المواقف الرسمية قبل أن يخلد الى النوم عبر صحن لاقط صغير بحجم رغيف الخبز·

وهو أمر لم يكن ممكنا قبل تسعينيات القرن الماضي مما مكن معظم القادة العرب من إخفاء ما يحلو لهم إخفاءه من مؤامرات يحيكونها بمهارة بالغة ضد أمتهم وشعوبهم·

وما دامت الأسرار قد أصبحت مكشوفة فإن أحدا من هؤلاء القادة لا يريد أن يزايد أي من "زملائه" عليه في استعراض البطولات، وما دامت الأسرار قد أصبحت مكشوفة أيضا فإنه من الصعب تسويق مواقف عائمة في بيان ختامي هزيل كما جرت العادة·

فإسرائيل تعربد في الأراضي المحتلة أكثر من أي وقت مضى، وقد توجت عربدتها هذه باغتيال الشيخ أحمد ياسين، وكان من نتيجة ذلك أن أصابت عملية الاغتيال تلك "القمة" في مقتل·· فماذا عساهم سيدبجون في "البيان" ضد إسرائيل وماذا عساهم أن يقولوا بحق ضد الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترضت على إصدار قرار إدانة مقتل الشيخ ياسين في مجلس الأمن·

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية رمت في وجوه العرب مبادرة "الشرق الأوسط الكبير"، ورغم كل ما قيل عن المبادرة فإن من المستغرب أن يرضخ العرب على مدى الخمسين عاما الأخيرة لكل ما تفرضه أمريكا ويرفضوا المبادئ الإيجابية في المبادرة مثل نشر الديمقراطية وإصلاح التعليم وتمكين المرأة من القيام بدورها الأمثل!!

المشكلة باختصار: أنه جاء موعد "القمة" وقادة الدول العربية ليس بمقدورهم مناقشة الإصلاح الديمقراطي في دولهم وليس بمقدورهم مناقشة إصلاح جامعتهم ولا يمكنهم إدانة إسرائيل أو مد يد العون للشعب الفلسطيني، ومن المستحيل إدانة الموقف الأمريكي الداعم بشكل تلقائي لإسرائيل فماذا عسى أن يقولوا؟! فكان أن تأزموا·· فلم تنعقد القمة·

فشل انعقاد القمة إعلان رسمي عن عجز وإفلاس الأنظمة العربية ولم يبق إلا أن تعلن رحيلها لترتاح وتريح الشعوب العربية·

�����