فيما يستمر الحوار الوطني حول ضرورة إصلاح الخلل في قانون الانتخاب وبشكل أكثر تحديدا حول إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية التي فصلت وبشكل دقيق كجزء من مخطط للإجهاز على الدستور من خلال إصدار قوانين يشرعها مجلس الأمة رغم مخالفتها للدستور فيما عرف بقوانين الأمر الواقع، يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن توجهاً شعبياً متزايداً يدفع بهذا التغيير يدعمه إعلان نحو 36 نائباً عن رغبتهم في التغيير، وكذلك تحرك جمعيات النفع العام علاوة على اقتناع كثير من الوزراء بضرورة التعديل وبالمسؤولية الأخلاقية للحكومة ككتلة تصويتية على حسم أمرها باتجاه التقليص إن هي قررت التكفير عن عبث سابقاتها المتعمد، وإن كانت جادة في إصلاح أمر البلاد·
فمشكلة الدوائر ليست في عددها إنما في عبث السلطة في العملية الديمقراطية ورغبتها في تهميش الدستور ودور مجلس الأمة في الرقابة والتشريع، وهو أمر أصبح أيسر وأقل كلفة على السلطة مع زيادة عدد الدوائر وتقليص أعداد الناخبين·
فالسلطة هي التي فتحت أبواب وزرائها لنواب الخدمات ثم وزرت بعضهم على وزارات خدمات عاثوا فيها فساداً وإفساداً وتخريباً، كما أن السلطة هي التي عززت الطرح القبلي والطائفي والعائلي كنتيجة طبيعية لتقسيم الدوائر والمناطق التابعة لها بشكل أدى إلى تفتيت المجتمع إلى كيانات سابقة للدولة، كان المفترض أن تحل مؤسسات الدولة مكانها وتبقى تلك التقسيمات جزءاً من الحياة الاجتماعية لا أكثر·
لذلك أصبح إصلاح العملية الديمقراطية يحتم تقليص قدرة السلطة على العبث بتفاصيلها، وهو هدف لا يمكن تحقيقه بشكل تام أو مثالي لكن حتماً يمكن تحقيق تقدم جزئي مهما كان قليلاً على طريق الإصلاح الطويل، وهنا فقط تكمن أهمية مسعى تقليص عدد الدوائر بحيث يكبر عدد الناخبين في كل دائرة ويصعب معه التحكم بشكل فعال فيها، ويصبح شراء الضمائر والأصوات أقل تأثيراً·
ومن هذا المنطلق فإن التوزيع الخمسي للدوائر هو الخيار الأمثل الذي يجب الأخذ به ول اعذر لمن لا يسعى للتغيير.
إن من يثير الإشكالات التفصيلية أحياناً كمن يبحث عن المثاليات، فكلاهما سينتج عن مسعاه تضييع هذه الفرصة التاريخية، فالكل يعلم أن أي اقتراح لابد وأن تشوبه بعض الشوائب ولا يمكن الوصول إلى تصور يرضي جميع أعضاء مجلس الأمة والحكومة والقوى السياسية، لكن المؤشرات جميعها تدفع بتأييد فكرة الدوائر الخمس التي تعتبر أقل الاقتراحات سلبية وأكثرها قبولاً شعبياً ونيابياً، لذا يصبح تركيز الجهود على إنجاحه أمراً في غاية الأهمية رغم ما يثيره البعض من محاولات مكشوفة لشخصنة الاقتراح ومحاولة إجهاض الفكرة عن طريق إثارة نعرات مناطقية·
المطلوب استمرار الحوار الوطني المثمر والجاد حول هذا الموضوع الحيوي واستثمار هذه الفرصة التاريخية، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الكويت السياسي الحديث التي يُطرح فيها موضوع الدوائر الانتخابية للحوار الوطني، حيث انفردت السلطة السياسية بإجراء التعديلات عليه، كما تعتبر المرة الأولى التي يطلب من النواب تغيير الدوائر الانتخابية التي وصلوا للمجلس عن طريقها وهو أمر لا بد وأن يكشف: من قلبه على الوطن ومن يسعى وراء مصالحه الخاصة، كما تعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتوقع وينتظر الناس من الحكومة أن تتنازل عن ورقة رابحة في يدها طالما استخدمتها حكومات سابقة للهيمنة على أغلبية نواب المجلس، وأن تصوت ككتلة وزارية متضامنة مع تقليص عدد الدوائر أو أن تقف على الحياد على أقل تقدير، إلا أن الناس يتوقعون من الوزراء الإصلاحيين أن يلقوا بثقلهم السياسي للدفع في طريق عملية الإصلاح الجزئي هذه بل وأن يكون لهم موقف حازم إن هم اكتشفوا عدم وجود نية للإصلاح، فهذه الفرصة سيسجلها التاريخ في الحالتين إما لهم أو عليهم ولا مكان للوسطية البتة·
الاتفاقية الأمنية·· للمرة الألف!
من يعتقد أن موضوع الاتفاقية الأمنية جديد وأنه جزء من الحملة على الإرهاب فهو إما أنه واهم أو أنه يريد إيهام الآخرين، فهي قديمة قدم مجلس التعاون ذاته، بل إنها الاتفاقية الوحيدة التي اعترضت عليها الكويت - ونتمنى أنها لا تزال - وذلك بسبب موقف مجلس الأمة الرافض لمبدأ وتفاصيل هذه الاتفاقية، وإذا أرادت بعض الحكومات في المنطقة أن تسوّق بضاعتها التي ولدت منتهية الصلاحية على أنها بضاعة جديدة أو أنها أمر في غاية الأهمية، عليها أن تكتشف أنها إنما تخدع نفسها فقط·
الاتفاقيات الأمنية مرفوضة شعبيا عندما كان العالم تسوده الأنظمة الديكتاتورية والشمولية والتي صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن "أمريكا أخطأت خطأ فادحا خلال السنوات الماضية بدعم هذه الأنظمة" نقول: إن هذه الاتفاقيات كانت مرفوضة آنذاك، فما بالنا الآن وقد هوت عروش الأنظمة الشمولية واحدا تلو الآخر وأخيرها وليس آخرها نظام شيفارد ناتزه في جورجيا·
المطلوب من مجلس التعاون أن يسعى نحو مزيد من انفتاح حكوماته على شعوبها بإقرار حقوقها في الحرية والمشاركة السياسية ومطلوب من هذا المجلس أن يستوعب أعضاؤه دروس العالم من حولنا، لا أن يعيدونا الى الوراء في سعيهم الحثيث لإقرار اتفاقيات يعرف الجميع أنها لمصلحة الأنظمة والسلطات الحاكمة في دول الخليج، ولا فائدة شعبية ترتجى من ورائها، فهل تستوعب حكومات الخليج الدرس وتقبر هذه الاتفاقية وتلتفت الى ما ينفع الناس؟