يتجدد النقاش هذه الأيام حول مشروع تطوير حقول الشمال بدعوة الشركات العالمية للمساهمة فيه، وطرح الموضوع للتداول والنقاش أمام الرأي العام هو من دون شك أمر مفيد وإيجابي بل ضروري، فالأمر يتعلق بأهم مصالح الوطن والمواطنين، ولذلك فمن المهم أن يكون الطرح لمزيد من الإيضاح ويتفادى خلق حالة الالتباس مما يوقعه في دائرة التضليل·
أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو تغليب أطروحات أصحاب المصالح أو التصورات والأفكار الخاطئة عن المشروع·
إن مشروع تطوير حقول الشمال الذي يهدف الى مضاعفة القدرة الإنتاجية لحقوق الشمال من نصف مليون برميل الى نحو مليون برميل بالاستعانة بالشركات الأجنبية ينطوي على مصالح غاية في الضخامة، وإيرادات مالية كبيرة جدا، فالدخل المتوقع من إنتاج الحقول سيبلغ 9 مليارات من الدولارات أي 180 مليار دولار خلال العشرين سنة بأسعار اليوم للبرميل، وسيكون نصيب الشركات فيما لو تمت الموافقة على مساهمتها في تطوير الحقول نحو مليار دولار سنويا أي 20 مليارا خلال عمر الاتفاقية إذا كانت مدتها 20 سنة وتزداد مليار دولار عن كل سنة أكثر من ذلك، وهذه من دون شك تكلفة كبيرة·
وبناء عليه يثور السؤال: هل تستحق مساهمة الشركات أن تدفع لها 20 مليارا؟ هذا هو السؤال الجوهري·
يقال في تبرير دعوة الشركات إننا بحاجة لتقنيات متقدمة لمواجهة متطلبات الإنتاج من المناطق الصعبة، وقد يكون ذلك صحيحا ولكن لماذا لا نستعين بالشركات التي تملك التقنيات والتكنولوجيا المتقدمة بصفة استشارية وفق عقود خدمات بتكلفة أقل من دون إدخالها كمستثمر؟ نحن حاليا نستعين بالشركات العالمية الكبرى البريطانية والأمريكية والفرنسية لتقديم خدمات فنية، وهي الحالة التي درجنا عليها منذ التحرير عندما كانت الظروف أصعب مما هي اليوم·
فما الذي يمنع استمرار هذه العلاقة الحالية والاستفادة منها في تطوير حقول الشمال؟! وللعلم فإن حقول الشمال أمر قائم منذ التحرير أو على الأقل منذ 1995 وهنالك برنامج لضخ المياه لزيادة الإنتاج تشارك فيه الشركات الأجنبية، وقد حقق هذا البرنامج نجاحا نسبيا حيث ارتفع معدل الإنتاج في بعض الفترات عن 600 ألف برميل، فما الداعي لتغيير نمط العلاقة من عقد تقديم خدمات فنية الى عقد استثمار نخسر فيه عشرات البلايين؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يكون مركز البحث والنقاش، وهذا يعني بحث الجوانب الفنية والاقتصادية والمالية والقانونية وكل ذلك في ضوء متطلبات المصلحة الوطنية·
الشركات العالمية منذ فترة تريد العودة الى مجال الإنتاج الذي خسرته بعد سيطرة الدول المنتجة على نفوطها، ولكن الدول التي عادت الى الاتفاق مع الشركات فصلت اتفاقياتها حسب حاجاتها وظروفها، الدول التي سمحت للشركات بالعودة لمجال الإنتاج كانت بحاجة الى ضخ استثمارات مالية لا تملكها مثل الجزائر وفنزويلا، الكويت لا تنقصها القدرة المالية حيث إنها تملك فوائض مالية مستثمرة في الخارج، ولذلك فنقص الموارد المالية لا ينطبق على الكويت، وعقود الدول الأخرى كانت للتنقيب والاستكشاف في مساحات شاسعة، بينما حالة نفط الشمال في الكويت هي حقول مكتشفة ومطورة ومنتجة، المملكة السعودية رفضت دخول الشركات كمستثمرة في مجال إنتاج النفط، ولكنها سمحت لها بالاستثمار في استكشاف الغاز في الربع الخالي في رقعة تبلغ مساحتها 200 ألف متر مربع أي ما يعادل ضعف مساحة الكويت بكاملها اثنتي عشرة مرة، وأصرت على مساهمة الطرف الوطني (شركة أرامكو) في العقد·
المقصود من هذا الكلام أن يكون تناول الموضوع بالفحص والتدقيق·
- ما حاجاتنا الفنية؟
- كيف نحصل عليها؟
- ما نوع العلاقة مع الشركات المراد الاستعانة بها؟
- ما الشروط الفنية والمالية والقانونية للاتفاق؟
أما ما يقال بأن مجلس الأمة يعطل المشروع فهو أمر غير صحيح إذ لم تقدم الحكومة مشروع اتفاقية لكي ينظرها المجلس ليقرها أو يرفضها، وأكد ذلك وزير النفط في تصريحه المنشور في الصحف المحلية 18/11/2003 حيث قال "إن الحكومة ستزود المجلس بالرؤى الحكومية المتعلقة بالمشروع·· وإن عددا من اللجان الحكومية عاكفة حاليا على تجميع البيانات المتعلقة بمشروع تطوير حقول الشمال والانتهاء منه" أي أن الحكومة ما زالت في مرحلة إعداد وتقديم البيانات وليست في مرحلة تقديم مشروع اتفاقية، والمعروف أنه لا توجد حتى الآن أي اتفاقية مع أي شركة من الشركات·
وما هو مطروح على المجلس هو مشروع قانون لتفويض الحكومة بالدخول في عقود استثمار في الثروة النفطية دون الرجوع الى المجلس، وهو ما يخالف الدستور، وقد رفضته اللجنة التشريعية في المجلس السابق، والمجلس ولجانه كما صرح رئيس اللجنة المالية ما زال ينتظر من الحكومة في مرحلة المناقشات الأولية تقديم النموذج الاقتصادي ودراسة الجدوى ونموذج التعاقدات المقترحة·
وقد يعتقد البعض أن مشروع تطوير حقول الشمال سيؤدي الى تحويل منطقة الشمال بصورة مشابهة لمنطقة الأحمدي والمقوع والفحيحيل، وسيؤدي الى خلق فرص عمل بالآلاف والى إنعاش المنطقة الشمالية·
وكل ذلك أقرب الى الأوهام منه الى الحقيقة فالمشروع لن يتطلب زيادة الحجم الحالي للموظفين إلا بالعشرات أو بضع مئات على الأكثر إن لم يكن تقليص العدد في حالة سيطرة الشركات على عمليات الإنتاج وذلك بقصد تخفيض الكلفة·
الخلاصة يجب ألا نتناول مشروعا بهذه الأهمية وبهذه الكلفة المالية من منطلق الأوهام البعيدة كل البعد عن الحقائق·