للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عاما تمر علينا ذكرى الثاني من أغسطس (آب) 1990 وقد زال من خارطة المنطقة طاغية العراق صدام حسين ونظامه الإرهابي الذي حبس العراق ما يقارب 35 عاما في سجن رهيب ومزق المنطقة العربية وما جاورها بمغامراته العدوانية ومؤامراته·
وللمرة الأولى منذ عام 1990 تعيش الكويت بلا هواجس الخوف، ومخاطر التهديد بالعدوان، وإذا ما أخذنا في الاعتبار بأن صدام كان سيورث العراق لأنجاله الأشرار من دون بزوغ بوادر مقاومة داخلية لإزاحته فإن عقودا من التهديد والخوف والهواجس تكون قد ولت لتفتح أبوابا من التفاؤل بإعادة ترتيب أوضاع العراق وعلاقاته بجواره لصالح مواطنيه ومواطني دول المنطقة·
وبعد أن كانت الكويت تخاف من العراق أصبحت تخاف على العراق من تداعيات سقوط نظام الطاغية وذوبان مؤسسات الدولة وخراب مرافقها وبنيتها التحتية·
الخوف على العراق ناتج من أمرين، الأول: هو ارتباك خطط الإدارة الأمريكية كقوى محتلة واضطراب خطواتها وممارستها وتضارب أهدافها بين إقامة نظام مستقر منبثق من إرادة العراقيين وبين إقامة نظام موال للولايات المتحدة يرهن موارد العراق ومصالحه، وعلى رأسها الثروة النفطية لمصالح الشركات الأمريكية التي ترغب في استبعاد المنافسين، واحتكار العراق سوقا وثروة هذا من جهة، ومن جهة ثانية ترويض العراق لإقامة علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل·
أما السبب الثاني للمخاوف على العراق فهو عدم اتفاق ممثلي فئات الشعب العراقي بكل أطيافه وتحول الاختلاف أو التنافس على المكاسب والمواقع السياسية إلى نزاع وصراع ممتد يحول العراق إلى ساحة اقتتال لا أحد يعلم متى تنتهي خاصة بوجود قوى متربصة تتحين الفرص لإشعال نار الفتنة والاقتتال، ولا يهمها أن يصبح العراق صومالا آخر·
على أن ما اتخذ من خطوات حتى الآن بتشكيل مجلس الحكم المحلي، ثم الاتفاق على اللجنة الرئاسية وعلى رئاستها بالتداول هو مبعث تفاؤل بولوج العراق طريق الاستقرار نحو إقامة نظام ديمقراطي تعددي تتعايش فيه مكوناته الاجتماعية وأطيافه السياسية في أمن وسلام، وهو ما يحتاجه العراق للالتفات إلى استخدام موارده الغنية من نفط ومعادن ومياه وأراض زراعية كالتبر لصالح المواطن الذي سحقته الصراعات السياسية·
ولعل من حسن الطالع أن جاء تحرير العراق وقد اتخذت الكويت الموقف المشرف في إسهامها بفتح أراضيها أو قبولها بذلك لانطلاق الجيوش لإسقاط نظام الطاغية صدام، وهذا الموقف الذي كان له الأثر العظيم في نفوس العراقيين الذين رأوا في الكويت الطرف العربي الوحيد الذي ساندهم وتعاطف معهم ووقف معهم موقف الحليف ضد عدو مشترك هذا الموقف وضع العلاقات بين البلدين الشقيقين على مستوى عال من الإيجابيات، وتجاوز كل سلبيات الماضي، مما يفتح الأبواب لعلاقات صحبة تقوم على أساس احترام السيادة والاستقلال والمصالح المتبادلة·
هذه الأجواء الإيجابية تتيح الفرص للتعاون المثمر بين القطرين، فإعمار العراق وانتشاله من خراب صدام يحتاج إلى تضافر عوامل كثيرة والكويت تملك كثيرا من هذه العوامل كالعلاقات التجارية كونها المعبر إلى العراق، وتملك رؤوس الأموال، وتملك الخبرة، والمؤسسات لأعمال المقاولات والاستثمار·
التاريخ يحكي لنا دور الكويتيين في نقل صادرات العراق للخارج كونهم أوائل المستثمرين في العراق، وكل الفرص متاحة لإعادة ذلك النمط من التعاون وتدعيمه بالإمكانات الحالية، والعراق غني بفرص الاستثمار بثرواته الكامنة وسوقه الكبير نسبيا، ويبقى على الإدارة الكويتية المبادرة الجادة بتذليل كل الصعوبات وإزالة كل العوائق أمام التعاون المنتظر، وهو إذا ما تم لن يكون مقصورا ولا محصورا في القطرين بل سيفتح الأبواب لتعاون اقتصادي صحي وصحيح بين دول المنطقة·
هذه الصورة الزاهية التي حلت محل الوضع القائم في العراق، تنعش الآمال العظيمة بتقدم المنطقة واستئنافها طريق الصعود في أجواء السلم وحسن الجوار لكن، شيئا واحدا يشوب هذه الصورة ألا وهو ما آل إليه مصير أسرى الكويت "كويتيين وغير كويتيين" الذين خنقتهم يد البغض والطغيان دونما ذنب ارتكبوه إلا أنهم تصادف وجودهم في مسار المعتدي ومن دونهم فإن فرحنا بزوال الطاغية لم يكن مكتملا، نسأل الله لهم ولجميع شهدائنا الرحمة ولذويهم الصبر والسلوان·