يذهب الكثير من المحللين العرب في تبرير مخاوفهم ومعارضتهم للتدخل الأمريكي البريطاني في إزالة نظام صدام بأن أهداف هذا التدخل هو السيطرة على النفط الى جانب إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتوفير الحماية لإسرائيل·
ووفقا لهذه المخاوف فإن هدف أمريكا هو أن تسيطر الشركات الأمريكية على نفط العراق بشروط تصمم لصالحها وسوف ترفع إنتاج العراق من النفط لإغراق السوق وتخفيض الأسعار وإضعاف المملكة السعودية بتقليل اعتماد أمريكا على صادرات النفط السعودي ولا يقتصر طرح هذا السيناريو على العرب أو المعترضين على التدخل الأمريكي بل إنه مطروح في وسائل الإعلام الأمريكية وتقارير مراكز أبحاثها، فقد أبرزت مجلة “النيوزويك” في أحد أعدادها الصيف الماضي مانشيتا عريضا على غلافها يقول “إنه البترول يا غبي It is Oil.. stupid”
والتقارير التي تحدثت عن أهداف السيطرة على نفط العراق من قبل مراكز الأبحاث كثيرة، عبر فيها صقور البنتاغون وحلفاؤهم أو من يسمون بالمحافظين الجدد عن تصوراتهم حول كيفية إدارة نفط العراق·
فقد كتب جون جوديس مقالا في مجلة “نيوريبوبلك” تحدث فيه عن رؤية الجناح اليميني المتشدد (الصقور) في إدارة الرئيس بوش وخارجها وذكر أن أهداف هذه المجموعة هي خصخصة القطاع النفطي العراقي وإلغاء شركة النفط الوطنية “انبوك” وأي دور لها تطبيقا لأيديولوجية حرية السوق، ويشير الكاتب جوديس الى أحد أبحاث مجموعة المحافظين الجدد كتبه أرييل كوهين وجيرالد أودريسكول ويعبر عن توجههم ويحثون فيه إدارة بوش على أن “يوجه حكومة العراق القادمة لكي تتبنى إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي بإصلاحات جذرية تتضمن تخصيص القطاعات المملوكة للدولة وعلى الأخص خصخصة قطاع النفط” وفي رأيهم أن خصخصة قطاع النفط ستؤدي الى سلسلة من التحولات في الشرق الأوسط وستقود الى انسحاب العراق من منظمة الأوبك مما سيقوض سيطرة الأوبك على الأسعار والإنتاج ويكون من نتائجها تخفيض أسعار النفط·
ولكن الأهم بالنسبة لمجموعة المحافظين الجدد هو هدف تقويض قوة ونقوذ المملكة العربية السعودية الاقتصادي والسياسي وربما خلخلة نظامها السياسي، وخلخلة نظام المملكة السياسي أمر لا يزعج هذه الفئة كما يقول جوديس وينقل عن أحد كبار المسؤولين “بأن تقسيم السعودية وتجزئتها قد لا يكون أمرا سيئا”، هذا المنظور للسياسة الأمريكية وأهدافها من الأسباب لمعارضة التدخل الأمريكي وإبداء المخاوف منه، وقد يفسر موقف المملكة من هذا التدخل ومطالبتها بإنهاء احتلال العراق في أسرع وقت وإقامة حكومة وطنية عراقية·
ولكن إذا كان هذا ما يضمره الجناح المتشدد في إدارة الرئيس بوش وحلفاؤهم خارج الإدارة فهل يعني بالضرورة أنه قدر لا مفر منه وسيصبح واقعا لا محالة·
ويرى آخرون بأن هذا التصور الذي يطرحه صقور الإدارة الأمريكية قد لا يكون قابلا للتحقيق، فضلا عن أنه يواجه معارضة من أغلبية قوى المعارضة العراقية، ويقول البروفيسور روبرت مايرو مدير معهد اكسفورد للطاقة في بحث نشرته مجلة ميز المتخصصة “إن ما يريد البعض إقناعنا به من أن الحكم الجديد في العراق سيمنح، تحت الضغط الأمريكي، عقودا للشركات النفطية لاستثمار النفط العراقي بشروط لصالح الشركات أمر بعيد الحدوث لأربعة أسباب·
الأول: إن العراق في حاجة ماسة لعائدات نفطه ولن يفرط برمي هذه العائدات في جيوب الشركات المستثمرة، والثاني: إن الشركات العالمية نفسها سوف تتسابق وتتنافس للحصول على عقود استثمار نفط العراق مما يتيح الفرصة له للحصول على أفضل الشروط·
والثالث: إن اتفاقيات النفط بما فيها اتفاقيات المشاركة ذات تاريخ طويل في الصناعة النفطية وأصبحت الشروط والضوابط التي تحكمها عالميا أمرا متعارفا عليه، أي ما تحصل عليه دولة ما في اتفاق مع شركة نفطية يصبح حدا أدنى لما يمكن أن تحصل عليه أي دولة أخرى·
والسبب الرابع: هو أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يقوم نظام الحكم الجديد في العراق بالدخول في اتفاقيات تتضمن شروطا أفضل لصالح الشركات، وأقل لصالح الدولة من تلك الاتفاقيات التي تعاقد عليها نظام صدام”·
لهذه الأسباب فإن رؤية الجناح المتطرف (الصقور) في الإدارة الأمريكية لاستغلال نفط العراق تبقى رؤية خاصة بهم وطموحاتهم لكنه لا يمكن التسليم بأنها قدر لا مفر منه وأمر واقع لا محالة ولا يمكن مقاومته·
فمن الصعب تصور قبول العراقيين بشروط لاستثمار نفطهم بأقل مما تحصل عليه الدول الأخرى، خاصة إذا عرفنا أن العراق يملك من الكوادر الفنية والخبرات في صناعة النفط وتسويقه أكثر مما تملكه الكثير من دول الأوبك·
أما عن قبول العراق بزيادة إنتاجه لإغراق السوق لتخفيض الأسعار وانسحابه من منظمة الأوبك وهو العضو المؤسس لها، فهو أمر من الصعب حصوله إن لم يكن من المستحيل وقوعه، فلماذا يقوم العراق بسياسة إنتاج لإغراق السوق وتخفيص الأسعار التي سيكون من نتائجها انخفاض إيراداته من النفط في الوقت الذي هو في أمس الحاجة لهذه الإيرادات لإعمار العراق·
يضاف الى ذلك فإن زيادة إنتاج العراق من النفط ستستغرق وقتا طويلا واستثمارات كبيرة جدا، ويذكر الدكتور عصام چلبي في بحث عن مستقبل صناعة النفط العراقي أن العراق بحاجة الى ثلاث سنوات واستثمار ثلاثة بلايين دولار لإعادة تأهيل مرافق قطاع النفط لرفع القدرة الإنتاجية الى 3.5 مليون برميل يوميا وهو المستوى الذي كانت عليه قبل غزوه الكويت في أغسطس 1990·
والعراق يملك مخزونا هائلا من النفط حسب ما يقول د· عصام جلبي وزير النفط السابق لكن رفع القدرة الإنتاجية الى معدل 6 ملايين برميل يوميا لن يتم الوصول إليه قبل عام 2010 بافتراض استمرار الاستقرار الاقتصادي، ويتطلب حفر ما لا يقل عن 2000 بئر على مدى عشر سنوات وتوفير استثمارات ضخمة لذلك·
لذلك فإن أجندة صقور البنتاجون في الإدارة الأمريكية لن تكون قابلة للتحقيق ومن المؤكد أنها لن تجد قبولا من العراقيين وستواجه بمقاومتهم، وعلى المحللين والمثقفين العرب أن يضعوا ذلك في اعتبارهم عند إبداء مخاوفهم في مسألة السيطرة على النفط العراقي وهيمنة الأمريكان عليه·