رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2 صفر 1424هـ - 5 أبريل 2003
العدد 1571

“الـجـزيـرة”··
و”صـــدام الصغير”!!

كتب أحمد النفيسي:

مساء الأربعاء الماضي كانت قناة الجزيرة تبث مناظر القصف وأعمدة الدخان المتصاعدة من بغداد وصور القتلى والنازحين الموجعة وكان مقدم البرنامج يحاور ضيفه الذي كان يجلس الى جانبه حول شؤون الساعة وأحوال العراق، وفي أسفل شاشة التلفزيون ظهر شريط يعرّف بالمحاور يقول: عبدالجبار الكبيسي، رئيس حزب الاتحاد الوطني العراقي - المعارض·

استبشرت خيرا، فالجزيرة وهي محطة قطرية موالية لنظام صدام فتحت أخيرا مجالا لسماع صوت العراق الآخر، صوت الشعب العراقي الذي قمعته ويا للأسف جميع أجهزة الإعلام العربي تقريبا، وفتحت أبوابها على مصراعيها لأبواق النظام العراقي· ففي كل يوم يطل علينا وزير الإعلام العراقي ونائب رئيس الوزراء طه ياسين رمضان ووزير الدفاع وأحيانا وزير الخارجية ثم طارق عزيز وآخرين بالإضافة الى عشرات من المحللين والمطبلين لحكم صدام حسين، كل يوم، لكن قلما نسمع صوتا وطنيا عراقيا يحمل هموم الشعب العراقي المقهور· وإذا ظهر مثل محمد بحر العلوم في محطة “إل بي سي” اللبنانية فإنه يقاطع ويمنع من الحديث وإذا كان ضيف الحلقة مثل المناضل فخري كريم في محطة المستقبل يصر على أن تكون المطالبة بإسقاط صدام مقرونة بالمطالبة برحيل الأمريكيين عن العراق، فإن مقدم البرنامج اللطيف زاهي وهبي يصدم وتعقد لسانه الدهشة لأنه لا يتخيل أن الشعب العراقي ينظر الى استمرار حكم صدام أيضا كاستعمار مدمر بشع يقرن بأقسى أنواع الاستعمار الأجنبي· ولأن وجهة نظر فخري كريم لم تعجب معدي برامج المستقبل فقد حجروا الرأي على جميع من لديهم إضافات تلقي بأضواء جديدة على الموقف الذي عبر عنه المناضل العراقي وفتحوا الأبواب مشرعة أمام معارضيه·

كثير من مقدمي البرامج ومن المحللين أو بعضهم ينطلقون من مواقف مبدئية صادقة وحسن نوايا ويبدو للمستمع البعيد أنهم محايدون، فالموقف الداعي لتوحيد الموقف العربي هو موقف مبدئي، والموقف ضد الاستعمار والدفاع عن الوطن ضد الأجنبي موقف مبدئي إلخ·· إلخ·· لكن المتفحص لأطروحات معظم أولئك المحللين يجد أن زوايا الرؤية مختلفة وهي رؤية إقليمية صرفة· فالفلسطينيون إن كان يعبر عنهم الرئيس أبو عمار أو الوزير فاروق قدومي أو الطفل المسحوق في شوارع غزة يكبرون صدام حسين ويرفعون صوره سواء كان ذلك بسبب المساعدات المالية أو بسبب الموقف المعادي لأمريكا التي سحقتهم وسلطت أقذر مخلوقات الأرض مثل شارون عليهم، وهم ليسوا ملامين في ذلك، ولكن يجب أن لا يدعي أي منهم أنهم يقفون الى جانب الشعب العراقي أو يتحسسون معاناته·

والسوريون ينظرون الى أحداث العراق من زاوية انعكاسها على النظام السوري وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات من ناحية وما قد يؤدي إليه من إطلاق يد إسرائيل في تهديد أمن  سورية من ناحية أخرى، وهذا الأخير (موضوع اسرائيل) موقف وطني سوري مشروع ولكنه في الوقت نفسه يدافع ويدعم نظام صدام حسين في العراق كنتيجة لذلك وهو في ذلك يقف في مواجهة طموحات ومصالح الشعب العراقي·· وكذلك الموقف في لبنان·

لقد فجرت هذه الأزمة التي تعصف بالوطن العربي، الزيف الذي كنا نتعامل به، حيث أصبح الآن جميع العرب يعرفون ما يصلح وما لا يصلح للشعب العراقي ويرفضون بل ويقمعون تعبير العراقيين عن مصالحهم·

والآن نعود للجزيرة العتيدة ففي محاورتها للمعارض العراقي عبدالجبار الكبيسي سألته عن رأيه في تصريح الأمير سعود الفيصل ومطالبته صدام بأن يعطي قدوة للعراقيين حين طالبهم بتقديم التضحيات من أجل العراق بأن يضحي صدام نفسه بمنصبه ويتنازل كي يجنب العراق مزيدا من الدماء والدمار، فكانت المفاجأة أن انتفض المعارض العراقي بسباب مقذع لوزير الخارجية السعودي متهما السعودية بالتآمر على العراق وأن عليها أن توقف طلعات القاذفات الأمريكية التي قال إنها تقصف العراق من قواعد عرعر والجوف والأمير سلطان الجوية وأن توقف توجيه الصواريخ الموجهة ضد العراق والتي قال إن الأمريكان يتحكمون بها من قاعدة الأمير سلطان، وأضاف وهذا هو المهم، أن عليهم أن يعرفوا أن كل العراقيين مهما اختلفت وجهات نظرهم يقاتلون الغزاة والعراق له قائد واحد اسمه صدام حسين·

ولقد ذهلت من موقف هذا المعارض العراقي الذي أتت به “الجزيرة” ليعبر عن موقف المعارضة ورحت أبحث في هويته فوجدت ما يلي:

عبدالجبار الكبيسي بعثي عراقي انشق عن الحزب في السبعينات ولجأ الى البعث السوري وعين عضوا في القيادة القومية للحزب فيها وأصبح مسؤولا عن شؤون العراقيين اللاجئين الى سورية، وكان من سوء معاملته لرفاقه في الحزب وللآخرين أن لقبوه بلقب “صدام الصغير”·

في الثمانينات قام ضمن وفد عراقي يمثل “المعارضة” بزيارة الى ليبيا وقد أعطاه عبدالسلام جلود مبلغ مليوني دولار أمام جميع الحاضرين على أنها للمعارضة فوضعها في جيبه، وفي سورية اختلف بعد مدة مع البعثيين السوريين فعزل واعتقل فترة ثم وضع في الإقامة الجبرية في منزله وفي أواسط التسعينات استطاع استعادة جواز سفره الدبلوماسي وغادر بحجة العلاج عام 1997 الى فرنسا واستقر هناك، واتضح أنه كان على علاقة مع الاستخبارات العراقية التي أعادت له الجسور والتمويل حيث استقر في مسكن جنوب باريس.

 وبعد الانتخابات العراقية التي فاز بها صدام حسين بنسبة %100 أراد صدام إعادة الديمقراطية والتعددية الى العراق فشكل عبدالجبار الكبيسي حزبه الاتحاد الوطني العراقي المعارض وزار بترتيب مع الاستخبارات بغداد وألقى ندوة بدار الحكمة حضرها طه ياسين وطارق عزيز وأعيدت صلاته برفاقه القدامى واستقر بفندق الرشيد حيث أصبح يستقبل الوفود الزائرة كمعارض وزاره حضور مهرجان المربد بعد زياراتهم لبابل وغيرها من المناطق الأثرية فأصبح عبدالجبار الكبيسي يصنف عند العراقيين على أنه من آثار الحزب، وكان مقررا أن ينتقل في مارس من هذا العام الى بغداد بشكل نهائي لولا الحرب·

هذا هو المعارض العراقي الذي قدمته محطة الجزيرة ليعبر عن وجهة نظر الشعب العراقي فجلس يندد بالمملكة العربية السعودية لأن الأمريكان “يوجهون صواريخهم من قاعدة الأمير سلطان” بينما كان هو و”الجزيرة” يجلسان في الفناء الخلفي لأكبر قاعدة أمريكية في العالم وتجلس الى جانبهم فيها القيادة العامة ورئاسة أركان القوات الأمريكية التي تدير الحرب كلها·· فهل هناك أكثر من هذا العهر السياسي؟!

�����