في الوقت الذي ينشغل فيه الناس بتطورات الأحداث الإقليمية واحتمالاتها بعين فاحصة فإن عينهم الأخرى تتجه نحو الوضع الداخلي وما يتطلبه من استحقاقات تمكن الجميع من العيش بأمان· ففي الوقت الذي يعلم الجميع أن قدرتنا على التأثير في مجريات الأحداث الإقليمية شبه معدومة على المستويين الرسمي والشعبي، يعلم الجميع كذلك أن لا عذر لنا في تأجيل حسم قضايانا الداخلية التي لن يحلها أحد غيرنا· وتأتي على رأس هذه القضايا كارثة الفساد الذي استشرى في البلاد لدرجة اعترف فيها الرئيس الفعلي للحكومة بخطورته ومداه· نقول هذا ونحن على يقين بأن ما تعرفه الحكومة عن تفاصيل الكارثة أكبر بكثير مما يطفو على السطح بين الحين والآخر، إلا أننا على يقين أيضاً من أن ما تفعله الحكومة على أرض الواقع لا يشكل حلاً يعوِّل عليه، فالكلام سهل ويسير لكن الفعل أمضى وأكبر وقعاً وهو ما لم نره أو نشعر بإمكانية حدوثه·
محاربة الفساد تبدأ من أعلى ومن خلال تطبيق القوانين على كبار الفاسدين أولاً، ليعتبر ويخشى صغارهم· سنصدق ويصدق غيرنا جدية الحكومة في محاربة الفساد عندما نرى أفعالاً حقيقية لمحاسبة المسؤولين المتورطين، أو المتسترين على ضياع أموال الشعب وأولئك المهملين إما عمداً أو لعدم كفاءتهم، الذين ينتج عن أدائهم السيئ هدرا للأموال العامة يستفيد منه من تضخمت حساباتهم البنكية من جيب الحكومة "المقضوض" عمداً في كثير من الأحيان·
نريد أن نرى فعلاً يوقف التلاعبات الرهيبة التي نتج عنها منح أراض هائلة بما فيها تلك الممنوع قانوناً ودستوراً بيعها لأفراد متنفذين على حساب مصالح المجتمع· نريد أن نرى ما يؤكد وجود تحول فعلي في موقف الحكومة من راعية للفساد إلى محاربة له، وهو أمر ليس صعباً إذا ما توافرت النية والقرار السياسي· وهنا فقط يمكن للحكومة أن تستعيد مصداقيتها أمام الناس وأمام نفسها، عندئذ سيلتف الناس حولها وستصبح أقوى في مواجهة التطورات الإقليمية وما يمكن أن ينتج عنها من آثار قد تنعكس علينا بشكل أو بآخر· وعندئذ سنكون أقوى في مواجهة تلك التطورات من دون الحاجة إلى أحكام عرفية أو طوارئ فلا شيء أهم من صلابة الجبهة الداخلية لأي مجتمع في مواجهة المجهول· وعندئذ فقط سنكون في مواجهة خطر واحد محتمل من الخارج بدلاً من مواجهة خطر داخلي في الوقت ذاته·