بقلم:أحمد يوسف النفيسي
“بمراجعة مشروع هذه الاتفاقية نرى إدخال التعديلات التالية عليها··”
“ثانيا: بيان ماهية هذه الأراضي محل التعاقد بحيث لا تشمل ساحل البحر لأن هذا الساحل يعد من أملاك الدولة العامة التي لا يجوز قانونا التصرف فيها بأي وجه من أوجه التصرفات الناقلة للملكية· وذلك طبقا لأحكام المادة (23) من القانون المدني”
من فتوى هيئة الفتوى والتشريع حول موضوع اللآلئ بتاريخ 13 نوفمبر 1989
“يعتبر قرار الحكومة الجائر بالموافقة على اتفاقية لؤلؤة الخيران، وتمريرها باستخدام الضغوط الهائلة والإغراءات والمكافآت، التي استمرت على مدى ثلاثة عشر عاما، ومحاولة إلباس ذلك القرار لباس الشرعية هو أكبر عملية انتهاك لأملاك الدولة منذ ما يقارب الخمسين عاما، ومن أخطر الانتهاكات التي تعرض لها الدستور والقوانين·
فعلى مدى كل تلك الأعوام، وخصوصا منذ وفاة الشيخ عبدالله السالم توالت محاولات السطو على أراضي الدولة داخل خط التنظيم العام وخارجه بالتزوير تارة والادعاءات الزائفة تارة أخرى، لكن السلطة طيلة تلك الفترة تمسكت بالشكل القانوني للدولة على الأقل، ووقفت ضد تلك المحاولات ولو في الظاهر، إلا أنها في هذا الزمن الرديء أسقطت جميع الأقنعة، ووقفت في طليعة المنتهكين·
إن اتفاقية لؤلؤة الخيران إن مرت ولم توقف ستفتح الباب هذه المرة على مصراعيه لقوى الاستحواذ القديمة وقوى الفساد للاستيلاء على ما تبقى من أراضي الكويت، يتقاسمونها فيما بينهم من الحدود الى الحدود، وليذهب بعد ذلك من يحلم من المواطنين بقطعة أرض صغيرة يقيم عليها سكنا لأسرته، ليذهب وحرفيا، ليحرث البحر عله يجد فيه ذلك··”
أ.ن
في عام 1956 أصدر الشيخ عبدالله السالم، طيب الله ثراه، أمرا برسم خط التنظيم العام، وهو الخط الذي يحدد المناطق التي يجوز التملك فيها، ويفصلها عن الأملاك العامة للدولة، وهي ما كانت تعرف آنذاك بالأراضي الأميرية، التي لا يعتد بادعاء ملكيتها، أو وضع اليد عليها، وكان الخط يوازي ويلامس في أجزاء منه الطريق الدائري السادس، حيث أجاز للمواطنين حق التملك شمال هذا الخط، وكذلك في الأراضي الواقعة ضمن مسافة ميل واحد من شاطئ البحر، ومن مراكز القرى·
كان عبدالله السالم يتجول عصر كل يوم في سيارته يروح عن نفسه ويتفقد الأحوال، وما تم إنجازه من حركة التعمير الناشطة التي تعج بها البلاد، وكان يرى الانتشار المتفاقم للبراميل في براري الكويت، كانت البراميل تستخدم لحفظ المواد النفطية مثل براميل القار، التي تجلبها شركات المقاولات الكبرى لتبليط الشوارع، أو عزل السطوح، إلا أنها تحولت لتصبح أداة سهلة لترسيم الأراضي التي يستولي عليها بعض أفراد الأسرة، أو يبيعونها ويمنحونها لمن أرادوا من الناس، وعرف عبدالله السالم أن الأمر إذا ما ترك فستأكل البراميل ما تبقى من أرض الكويت لتصل الى حدودها، وأنه وحده يستطيع إيقاف ذلك·
وهكذا، وكما يقال، رسم عبدالله السالم في إحدى جولاته تلك على علبة “سيكاير” الخط المبدئي للتنظيم العام، حيث كان يجلس الى جانبه في سيارته المرحوم نصف اليوسف النصف·
لم يكن اتخاذ ذلك القرار باليسر الذي توحي به هذه الكلمات، فلقد تطلب حزما وصرامة كبيرين أمام قوى أساسية ترى أن الثروة التي غمرت البلاد بعد تدفق النفط هي من حقها وحدها، وللناس ما تتفضل به، وكانت الأراضي وتثمينها وسيلة لامتصاص تلك الثروة·
هكذا انتقلت الكويت عام 1956 من عهد الى عهد وجنينا نحن وأبناؤنا ثمار تلك البصيرة المشبعة بالحب للكويت وأهلها، وستجنيها من بعدنا أجيالنا المقبلة إن استطعنا نحن صيانتها والمحافظة عليها، فبنظرة واحدة نستطيع الآن أن نرى هذه المناطق السكنية العامرة التي امتدت جنوبي الدائري السادس أي على الأراضي التي حفظها للدولة تحديد خط التنظيم العام·
ولقد توالى بعد ذلك صدور القوانين التي تفصل في حقوق الملكية، وما يجوز أو لا يجوز تملكه أو التصرف فيه، وتشدد على حفظ أملاك الدولة، ولتبني سياجا قانونيا حصينا حولها، وتوالت أيضا وبعد رحيل عبدالله السالم المحاولات المحمومة للاستيلاء عليها باختراق تلك القوانين·
فقد صدر قانون التسجيل العقاري عام 1959 ينظم تسجيل الأراضي داخل خط التنظيم العام وتحديدها وتوثيقها لكي تتحدد ملكية الأفراد بوضوح، وتفرز من الأراضي والفراغات التي تعتبر من أملاك الدولة، وصدر القانون المدني الذي يحدد أملاك الدولة العامة، وشروط استخدامها، ثم صدر الدستور عام 1962 الذي أفرد مادتين من مواده لأملاك الدولة وثرواتها الطبيعية لما لها من أهمية قصوى، حيث تنص المادة 152 على أن:
“كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية، أو مرفق من المرافق العامة لا يكون إلا بقانون، ولزمن محدد، وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف، وتحقيق العلانية والمنافسة”·
وتنص المادة 153 على أن: “كل احتكار لا يمنح إلا بقانون والى زمن محدود”·
ومع ذلك استمرت المحاولات المحمومة لاستلاب أملاك الدولة، ففي عام 1969، وقعت في يد أحد أعضاء مجلس الأمة “المزور” وثيقة ملكية أرض اكتشف أنها وثيقة مزورة، وعلى ما يبدو أنها كانت تقع ضمن أملاك مواطنين آخرين يمتلكون هم وثيقة شرعية أصلية بها·
كان العضو يعتقد أنها حالة فردية حدثت نتيجة تلاعب فردي في الأجهزة الحكومية، أو إهمال يجب تصحيحه، ولم يكن يعلم أنه كان يكشف بذلك عن عمليات تزوير كبرى يقوم بها بعض المتنفذين في دفاتر التسجيل العقاري للاستيلاء على الفراغات الكبيرة في أراضي البلد التي نتجت عن تحديد العقارات التي يملكها المواطنون وفق قانون التسجيل العقاري لعام 1959·
كانت تلك أم الفضائح التي هزت المجتمع الكويتي في ذلك الوقت· وأذكر أنه حال فوزنا في انتخابات عام 1971 تقدمت بسؤالين حول أملاك الدولة التي كانت تشغل بال الناس· الأول حول أسماء من ثمن لهم منذ عام 1952 ومبالغ تلك التثمين، والثاني كان حول تزوير الوثائق الشرعية، وأسماء المستفيدين ومصير العقارات التي زورت ملكيتها، وقد أجابني المرحوم عبدالعزيز حسين وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء (والبلدية) على السؤال الأول بالكامل·
أما عن مزوري الأراضي فقد امتنعت الحكومة عن تقديم أسمائهم وأوضحت الإجابة أن جميع تلك الأراضي قد استردت، ولم نكن نريد الاصطدام بالحكومة مما قد يؤدي الى تعثر محاولة الدفع بالمسيرة الديمقراطية، حيث كان شائعا وقتها أن من قام بعملية التزوير هم من الرؤوس الكبيرة، فلقد خضنا الانتخابات استجابة لنداء من ولي العهد وقتها سمو الأمير الحالي الشيخ جابر الأحمد، يدعو فيه الى فتح صفحة جديدة بعد قطيعة المجلس المزور، وكانت هموم إنجاز القضايا الكبرى أهم من المحاسبة في ذلك الوقت، حيث كان أمامنا قضية تحرير الثروة النفطية وإقامة مؤسسة للتأمينات الاجتماعية وتصحيح جدول الرواتب الجامدة منذ 15 عاما، الذي مال بشدة لغير صالح الكويتيين، وكان أمامنا استكمال البناء القانوني للدولة مثل المحكمة الدستورية، والمحكمة الإدارية وغيرها·
كان انتخاب مجلس جديد تشارك فيه القوى الديمقراطية مثل مجلس عام 1971 رادعا للمزورين، ولكن محاولات الاعتداءات على أملاك الدولة استمرت بوسائل أخرى مثل الادعاءات بتملك أراض داخل التنظيم العام، وهي ادعاءات يتجاوز بعضها الخيال، كادعاء أحدهم بتملك طريق الفنطاس من تقاطع السالمية الى الفحيحيل·
ولقد أسقطنا في القانون الخاص بالادعاءات بالملكية لعام 1975، والتي توصلت إليه اللجنة التي تشرفت برئاستها في مجلس الأمة جميع الادعاءات غير المشروعة، وأقر القانون، وعلى غير ما جرى عليه العرف في الجلسة الختامية لمجلس 1971، وصوتت مع إقراره الحكومة·
وكان قد وُزع على مقاعد أعضاء المجلس في الصباح الباكر، مناشير تتهم القانون بأنه قانون أحمر يريد الشيوعيون فرضه على الكويت·
إلا أن الاستحواذيون لم يهدأ لهم بال فأوصلوا الى مجلس 1981 عناصر كان برنامجها الأول تعديل هذا القانون، وفتح الثغرات فيه، وهكذا كان· فأخذت الادعاءات تعبر مواربة عبر لجنة الادعاءات بالبلدية وبمساعدة أجهزة البلدية الفاسدة، مما يسهل استصدار أحكام قضائية نافذة لصالح المدعين· ولعلنا لا نزال نتذكر كيف تراكمت الادعاءات قبل عام تقريبا وبالمئات أمام المحاكم· ونتذكر أنه كلما تم إغلاق باب الادعاءات جرت محاولات مستميتة لفتحه، آخر كانت محاولة الحكومة فتح ذلك الباب من جديد· تلك المحاولة التي كشفها نائب رئيس مجلس الأمة مشاري العنجري وتصدى لها المجلس، وأصر وزير المالية يوسف الإبراهيم في مجلس الوزراء على سحبها·
***
إنني أعتذر للقارئ الكريم عن هذه الإطالة لكنني أريد أن أضع ما يجري اليوم من تعد وجور على أملاك الدولة في إطاره، وسياقه التاريخي، ونضال الكويتيين والأبرار من حكامهم في الوقوف أمام فساد المفسدين، وحماية حقوق المواطنين في أرضهم· فليس غريبا، إذن، أنه بعد كل هذا التاريخ، وفي أثنائه اعتبر الناس أن ما نشرته الصحافة عام 1989، وفي أثناء اغتصاب السلطة التشريعية، وتعليق الدستور من أن الحكومة قد وافقت على منح شخص واحد حقا في تملك أراض شاسعة من أراضي الدولة تبلغ مساحتها 500 كيلو متر مربع تطل على البحر لينظمها ويفرزها لإقامة ست مدن كاملة يملكها وحده، لم يكن غريبا أن يعتبر الناس ذلك الخبر طرفة سمجة، أو خرافة من خطل القول، فكل شيء أصبح خارج حدود التصور والمعقول·
إنني لن أخوض في التفاصيل، وكيف أن الأسعار التي أعطيت لصاحب الاحتكار هي أسعار ماجنة، وأن قيمة تملك المتر المربع بعد تشديد الشروط في لؤلؤة الخيران تبلغ عشرة فلوس، بينما إيجار المتر المربع التي تتقاضاه الدولة من بقية خلق الله في الشاليهات المجاورة هو 500 فلس في السنة، فالتفاصيل ستغرقنا لغزارتها، ولكن سأحاول توضيح أمر واحد أعتقد أنه هو الأمر الأساسي في موضوع اللآلئ الذي يجب أن لا يغيب عن عقل كل مواطن، وهو ينظر فيها·
في عام 1989 عرضت الاتفاقية المزمع توقيعها بين الحكومة وصاحب مشروع اللآلئ على إدارة هيئة الفتوى والتشريع لأخذ رأيها فيها· والفتوى والتشريع هو الجهاز الذي يهندس للحكومة تطويع القوانين، ولي أعناقها· لكن الحياة الدستورية كانت معلقة، وحقوق السلطة التشريعية كانت مغتصبة، والصحافة مراقبة، والحكم ليس بحاجة الى تبرير أي شيء أمام أي كان، فلذلك لم تصدر توجيهات لإدارة الفتوى تبين ما هو المطلوب منها في موضوع اللآلئ، فأصدر مستشاروها رأيهم القانوني حسب ما يعرفونه من مقتضيات القانون، وقالوا من بين ما قالوا، وبتاريخ 13 نوفمبر 1989 في رسالة وجهت الى وزير المالية ما يلي: “بمراجعة مشروع هذه الاتفاقية نرى إدخال التعديلات التالية عليها: ······”
“ثانيا: بيان ماهية هذه الأراضي محل التعاقد، بحيث لا تشمل ساحل البحر، لأن هذا الساحل يعد من أملاك الدولة العامة التي لا يجوز قانونا التصرف فيها بأي وجه من أوجه التصرفات الناقلة للملكية، وذلك طبقا لأحكام المادة (23) من القانون المدني”·
فالقضية واضحة للأعمى، فلا يجوز تملك البحر الذي يقول عنه الخبراء القانونيون والدستوريون إن حكمه مثل حكم الهواء والشمس، ولا يجوز الترخيص باستغلاله إلا بقانون، وضمن منافسة علنية ولأجل محدود، ولو كانت أملاك الدولة العامة مثل ساحل البحر قابلة للتملك، لكان الأحرى أن يتملك أبناء الأسرة الحاكمة قصورهم خارج خط التنظيم العام، فهذه القصور تمتد من الضباعية الى النويصيب، وما زالت من أملاك الدولة، يدفع مستغلوها حسب القانون إيجارا سنويا لها رغم كل الفترات التي مرت بتاريخ الكويت الحديث من استفراد بالسلطة، وغياب لحكم الدستور· ورغم أن بعضها أنشئ في الخمسينيات من القرن الماضي·
وموضوع اللآلئ هو تمليك للبحر ملكية أبدية غير محدودة بزمن وجاءت عن طريق التعاقد المباشر من دون أي تنافس، أو علنية، ولم تصدر بقانون·
إن السلطة بهذا تخرق القانون والدستور من أجل مصالح مادية وانتفاع وتنفيع، وهي بذلك تهدم النظام القانوني للدولة وتخرق الدستور وتطيح بخط التنظيم العام والسياج القانوني والأخلاقي الذي بناه آباؤنا الأوائل، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ عبدالله السالم·
إن هذا الأمر هو في منتهى الخطورة لأنه فوق أنه انتهاك للدستور، فإنه سيعيد عهد البراميل مضاعفا مئة مرة، وهذه المرة بقوة السلطة وزخمها، وليس في مواجهتها، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ الكويت الحديث، فإذا سمح لاتفاق لآلئ الخيران أن يمر فإننا نكون بذلك قد أعطينا صكا لمن هو موجود، ومن يأتي من متنفذين نسلم لهم بموجبه بالحق في تقاسم أرض الكويت التي لن تسلّم كل بقعة فيها، ومن الحدود الى الحدود، وتوزيعها على أصحاب البراميل الجدد، أو القدماء·
إن عقد اللآلئ هو بيان رقم (1) ولن يبقى من الأرض التي حماها عبدالله السالم ورفاقه الخيرون، والتي كافحت من أجل الحفاظ عليها القوى الديمقراطية، لن يبقى منها شيء لأجيالنا المقبلة، وليذهب الآلاف ممن يطلبون سكنا يؤويهم وأسرهم ليحرثوا في البحر، وهذه المرة حرفيا، ليبحثوا لهم عن موطئ قدم فيه·