لم يكن في الجلسة السرية لمجلس الأمة ما يستدعي السرية التي أفشت كل تفاصيلها الصحف اليومية· فمن يقرأ الصحف الأمريكية يعرف وبكل التفاصيل استعدادات الولايات المتحدة لضرب العراق بما فيها تلك المتعلقة بحماية الكويت· وبإمكان المتابعين للتطورات تحديد الموعد التقريبي للضربة، ومع هذا كله تصر الحكومة على سرية الجلسة!
وإذا كان أهم أسرار الجلسة مفشياً من قبل أهله فما الذي تبقى غير الاحتياطات الأمنية واستعدادات الحكومة للأمن الوطني الداخلي في خلال نشوب الحرب على حدودنا الشمالية؟ وهل هذا شأن حكومي لا علاقة للمواطنين فيه كي يطرق مع أعضاء مجلس الأمة دون المواطنين؟
من الواضح أن الحكومة التي تأخرت ردحا من الزمن في استعداداتها وتهيئتها وإشراكها للمواطنين في التصدي لأي احتمال بل ولأسوأ سيناريو، ترغب الآن في تطميننا بأن كل شيء على مايرام وأن لا مبرر للقلق· ويبدو أن الحكومة التي لا تعنى برأي الناس فيها لم تقرأ ما نشرته إحدى الصحف اليومية عن نتائج استفتائها الذي بين أكثر من 90 في المئة من المشاركين فيه أن لا ثقة لهم في استعدادات الحكومة· فالاستعداد لمثل هذه الاحتمالات لا يأتي في الأيام الأخيرة وبأسلوب جرجرة أطفال المدارس من الفصول الدراسية إلى صالة الألعاب وكأن الأخيرة أكثر أمناً وأن بإمكان المدرسات المذعورات والخائفات على مصير أبنائهن وأهلهن “في حال حدوث شيء لاسمح الله” أن يتحكمن في كل هذه الأعداد من الطلبة المجمعين في مكان واحد·
الحكومة ومع كل تطميناتها لم تقم بما هو أهم وأجدى وما يحتاج إلى وقت كاف ربما سنوات كتأهيل مجموعة من الأطباء في مختلف المناطق والمستشفيات للتعامل مع الحالات المحتملة والقدرة على تحديد نوع الإصابة وبالتالي نوع العلاج، حيث يقوم هؤلاء الأطباء بتدريب أطباء آخرين حتى يتوافر لمجتمعنا العدد الكافي من الأطباء الجاهزين للتعامل مع أي سيناريو وبكفاءة·
والحكومة التي اكتفت بإعلانات أقرب إلى إعلانات تصفية مواد سكراب لدعوة الناس للتطوع للدفاع المدني، لم تقم بحملة وطنية في جميع وسائل الإعلام والمدارس وجمعيات النفع العام والجمعيات التعاونية وغيرها لدعوة الناس للتطوع وتبيان إنجازات ودور المتطوعين وأهمية تقديم كل إنسان ما يمكن تقديمه ومن أي موقع كان للإسهام في الدفاع المدني· كان الأحرى بالحكومة بدلاً من التطمين الكلامي الذي لا يصدقه حتى مطلقوه، أن تقوم بخطوات ملموسة وعملية تشرك فيها الناس بحماية أنفسهم وتدربهم ليدربوا غيرهم بحيث تخلق في مجتمعنا شبكة من المتطوعين القادرين والمؤهلين للتعاطي مع الأحداث· فقد ابتليت الكويت والمنطقة منذ الحرب العراقية الإيرانية باحتمالات استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وربما النووية لو توافرت لأحد مجانين المنطقة، ولم يعن ذلك شيئاً لحكومة "الهون أبرك مايكون" بل ولم تتعلم من كارثة الغزو وما تلاها من تصعيد وتهديد مستمر من قبل جار الشمال الذي لا يتوانى لحظة واحدة عن استخدام أي سلاح ضد شعبه أو أي شعب في المنطقة·
كل ما نتمناه أن تكون مخاوفنا من سوء إدراة الحكومة لاحتمالات الأزمة في غير محلها، لكننا في الوقت ذاته نتمنى ألا يخرج علينا مسؤول حكومي ليعلن "تحمله للمسؤولية كاملة" في وقت لا يكفي أن "نمسحها في وجه أحد".