مرت أمس الجمعة الذكرى الثانية عشرة للاحتلال العراقي البغيض للكويت وإلغاء وجودها وتشريد شعبها وتدمير ممتلكاتها· وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات إلا أن شبح الاحتلال وآثاره لا تزال تشغل كل بيت في هذا البلد الصغير· فلا يزال مصير الأسرى والمحتجزين في سجون العراق مجهولا بعد أن أصبح أسرهم أمراً سياسيا تتجاذبه حالات المد والجزر في مدى شعور النظام العراقي بالقلق على نفسه ومدى اطمئنانه، فتارة يتحدث عن استعداده لإغلاق هذا الملف وتارة أخرى يعيد التبريرات ذاتها أن لا أسرى لديه··
وهكذا تمر الذكرى هذه المرة بينما تعصف بالمنطقة بأكملها احتمالات غير مسبوقة· فهذه الذكرى الأولى للغزو بعد أحداث 11 سبتمبر التي أعادت تشكيل وترتيب الأولويات في العالم والمنطقة، وهي تمر علينا بعد أن أجهز المجرم شارون على مبادرة السلام العربية وألغى كل مسارات “السلام” التي بدأت بعد تحرير الكويت في مدريد ثم أوسلو وغيرهما· وبعد أن دمر مناطق السلطة الفلسطينية وأجهزتها وحاصر رئيسها ويطالب الآن بإقصائه وترتيب البيت الفلسطيني حسب رغبته هو·
كما تمر الذكرى والمنطقة حبلى بكل الاحتمالات التي قد يصل بعضها الى ضرب صدام وإزاحته عن الحكم، هذا في حال نجاح الخطة، إن وجدت، وإن توافرت لها الظروف الملائمة إقليمياً ودولياً وفي داخل أمريكا نفسها، ناهيك طبعاً عن احتمالات خلط أوراق الشرق الأوسط برمتها إذا ما طال أمد التدخل أو قدرته على تحقيق الأهداف المرسومة له·
وذكرى الغزو تعود هذه المرة بعد أربعة أشهر على اتفاق “الحالة” الذي أسفرت عنه قمة بيروت والناس بانتظار أهم اختبار لنوايا النظام العراقي في كيفية تعامله مع “أم المعارك”·
وتمر الذكرى والعلاقة بين دول مجلس التعاون ليست على أفضل حال ممكنة بعد التوتر الأخير في العلاقة بين السعودية وقطر حول إساءة قناة “الجزيرة” للأسرة المالكة في السعودية·
وبعد هذا تمر الذكرى علينا ونحن قد أمضينا إثني عشر عاما نراوح في مكاننا تقريبا، ولم نستفد من كارثة الغزو بالقدر المطلوب· ما زال موضوع ترتيب أمر الحكم مؤجلا دون بصيص أمل يفتح لنا مجال تصور المستقبل القريب· وما زالت تدير أمورنا حكومة غير متجانسة ولا متوافقة بل تجمع المتناقضات· ولا نزال كذلك نعاني من تكرار الحديث من الضيق بالممارسات الديمقراطية واحتمالات البحث عن بدائل للمؤسسات الدستورية الموجودة حاليا· وحتى يومنا هذا لم نتمكن من محاسبة سراق المال العام الذين أقدموا على سرقاتهم تلك في فترة الاحتلال، ولم يحاسب منهم أحد،سواء من هرب تحت نظر وسمع الدولة أو من لايزال بيننا دون أدنى خوف من حساب أو عقاب· ويلخص حالنا بعد كل هذه السنوات هذا الشعور العارم بالإحباط واليأس من إصلاح الأمور الذي يعيشه الناس صغارا وكبارا·
فهل ستعود الذكرى المقبلة لنكرر هذه المآسي مرة أخرى مع إضافة سنة على المدة التي مضت منذ الثاني من آب 1990؟ علينا أن لا نفعل ذلك فقد بلغ السيل الزبى ولا مجال للسقوط أكثر من هذا··