ربما لم يحن الوقت لإجراء التقييم الكامل لأحداث الأسابيع الأخيرة الدامية على أرض فلسطين واستخلاص الدلالات والدروس، ولكن الذي لا شك فيه أن ملاحم البطولة في جنين ونابلس وبقية مدن وقرى الضفة الغربية ورفح قد صهرت معدن الأجيال الحالية للشعب الفلسطيني وصقلت المشاعر الخاملة للشعب العربي وأدخلت عشرات الملايين من الشباب العربي وللمرة الأولى في مواجهة قاسية مع محنة العرب الكبرى، احتلال فلسطين والصراع التاريخي بين العرب والصهاينة وعرفتهم بهويتهم وموقعهم من العالم وموقع العالم منهم·
كما طرحت هذه الأحداث على الفلسطينيين والعرب جميعا سؤالا لا التباس فيه هو: ماذا بعد؟ أين نذهب؟ وكيف المسير؟·
لكن أكثر القضايا مباشرة في هذا السياق ما عرّته الانتفاضة الفلسطينية في قمة صدامها مع معسكر العدو الصهيوني، وهو سقوط الأنظمة العربية الى الهاوية واليقين بفقدان أي بصيص للأمل فيها· لقد واجهت جماهير الأمة العربية من أقصاها الى أقصاها الهجمة الصهيونية الوحشية المسنودة بشكل قبيح ووقح من قبل الإدارة الأمريكية والتواطؤ المتفاوت للدول الغربية والمخجل للعالم المسيحي واجهته وحيدة من دون قيادة ومن دون نظام عربي، يستعر فيها الغضب وهي لا تعرف كيف تتواصل وتلتحم مع نضال الانتفاضة الفلسطينية المعجون بالدم، مؤمنة بأن انهيار سور المقاومة في فلسطين سيغرقنا جميعا ولعقود من الزمن إن لم تمتد الى ما هو أبعد من ذلك·
إن هذه الحقبة من الزمن التي نعيشها اليوم تماثل الى حد كبير تلك التي عاشتها جماهير الأمة عامة 1948 عندما هزم الجيش الصهيوني جيوش العرب مجتمعة وسقطت على إثر ذلك جميع الأنظمة في نظر الجماهير ومن حساباتها ونشـأ جيل من شباب العرب الذين صعقوا بكارثة فقدان فلسطين واكتشفوا عقم وتواطؤ أنظمتهم وأخذوا يبحثون عن طريق يعيدون فيه للأمة كرامتها واعتبارها وحقوقها·
لم يكن هذا الجيل يمتلك أي تجربة أو خبرة نضالية فاجتهد· وهكذا نشأت أو تمحورت التنظيمات الوليدة حول وحدة الأمة العربية كأساس وتحرير فلسطين كهدف· إلا أن الانقلابات العسكرية لم تنتظر، حيث سارعت في إشغال فراغ النظام العربي المنهار، بدءا بانقلاب حسني الزعيم المشبوه في سورية·
ولقد انزلقت التنظيمات الشعبية ضحلة التجربة في تيار الانقلابات، وغاب بشكل أساسي أو تدريجي حلم النضال من أجل بناء مجتمعات ديمقراطية تعطي الأهمية القصوى للمواطن وحقوقه ودوره في تقرير مصيره وبناء مستقبله والدفاع عنه·
لقد أرجعت الأنظمة العسكرية الانقلابية الأمة العربية الى الوراء وقطعت تطور نضالها ونموها الطبيعي، ورغم بروز تجربة الثورة المصرية بقيادة المناضل جمال عبدالناصر وإنجازاتها على طريق التحرر الوطني، فإن طبيعة النظام العسكرية خنقت أحلامه العظيمة عندما ألغت دور الشعب·
ولذلك فإن أي تكرار للانقلابات التي أتت بعد نكبة 1948 لن يلقى من الجماهير العربية اليوم سوى الازدراء والنبذ وربما المواجهة·
إن الجيل العربي الحالي الذي صقلته الانتفاضة وصهر وعيه وأحلامه لهيبها، وكشفت له الأحداث الطاحنة المعجونة بدماء أطفال ونساء فلسطين ونضال شهدائها حجم الكارثة وحجم المهام الملقاة على عاتقه في مقابل الخواء الكامل للنظام الرسمي العربي، هذا الجيل، لا يجد أمامه غير الانتفاضة كنموذج أو قدوة نضالية يعلق نظره وأمله عليها ويتطلع للاحتذاء بها· ولذلك تتحمل الانتفاضة فوق حملها تقديم النموذج الأفضل والنظام الأفضل·
إن الخشية أنه إذا ما تفحصت الملايين من هذا الجيل العربي النظام القائم للسلطة الفلسطينية ستصاب بالخيبة الشديدة والمرارة والإحباط· فهذا النظام - نظام بو عمار - لا يختلف في شيء عن الأنظمة العربية الأخرى التي أفلست· فهو نظام فردي يستطيع فيه القائد أن يتفرد في القرار متى شاء، ويمسك القائد فيه بقبضته الشخصية جميع مصادر التمويل، وهو نظام بوليسي يعتقل ويسجن ويعذب المعارضين ويغلق الصحف ويكمم الأفواه· وهو نظام تنخر فيه الرشوة والفساد وسرقة الأموال العامة التي يضخم جرمها مئة مرة كونها تحدث والآلاف يتضورون جوعا وعوزا تحت حصار وقمع الاحتلال· وهو نظام قاد الشعب الفلسطيني ومنذ أكثر من ربع قرن الى التنازلات المتوالية وتضييع الحقوق وألحق الضرر بالحق المبدئي للشعوب في حرية أوطانها حين قامر بمستقبل الشعب الفلسطيني وألقى بكل ثقله في تأييد طاغية العراق في احتلاله للكويت· وأخيرا هو نظام غامر بالقضية بعد ذلك وأدخلها في مسلسل اتفاقات أوسلو المشينة والتي أدت الى هذه الأزمة الطاحنة التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني دماء أبنائه·
ولذلك فإن هناك مهمة ضخمة ملقاة على عاتق الانتفاضة الفلسطينية، هذه الانتفاضة التي اكتشفت هي أيضا عمقها الاستراتيجي الحقيقي في انتفاضة الجماهير العربية في وحدتها حولها· انتفاضة شملت الوطن العربي من أقصاه الى أقصاه وعلى امتداد العالم، في وحدة لم تحدث بهذه الكيفية والنوعية والتواصل عبر التاريخ· هذه المهمة هي أن تقوم الانتفاضة الفلسطينية بتطهير نفسها· تفرز فيها الأجيال الشابة قيادتها وتتحول بالنظام الفلسطيني الى نظام شعبي ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويقود معركة التحرر بروح العصر وبمقاييسه وبالفهم الحقيقي لطموحات أبناء الشعب، نظام ثوري يحترمه العالم ويقدم النموذج والقدوة لجماهير أمتنا في معركتها من أجل النهوض والتقدم واسترداد الحقوق·