ما يجعل مؤتمر القمة القادم مشروعا لقمّة مختلفة ليس ناتجا عن اختلاف في نوايا الحكام العرب واكتشافهم لأهمية وخطورة الأوضاع التي يعاني منها إخوتنا في فلسطين بل يأتي نتيجة حتمية للنجاحات الباهرة التي حققتها الانتفاضة الفلسطينية على الأرض والأوضاع التي فرضتها داخل الأراضي المحتلة وعلى امتداد ساحة الوطن العربي كنتيجة للتضحيات الجسيمة التي قدمها وعلى مدار الساعات أطفال ونساء وشيوخ وأبطال الشعب الفلسطيني! لقد أعادت هذه التضحيات الجليلة والصمود الفذ الذي ساهم فيه جميع أبناء الشعب الفلسطيني بتنظيماتهم وفصائلهم المقاتلة ومؤسساتهم المدنية بمختلف القطاعات وتحمل كل فرد مسؤوليته الوطنية في وحدة وتلاحم وطني عرف كيف يؤطر الخلافات بحيث لا تطغى فيها على المصلحة العليا في التحرر الوطني من الاحتلال والاستقلال، أعادت هذه التضحيات القضية الفلسطينية عنوة الى أعلى سلم أولويات القادة العرب بعد أن قبعوا طيلة شهور ينتظرون متفرجين وبصمت وشلل تامين نتيجة الصراع الظالم بين أجساد ودماء الفلسطينيين وترسانة السلاح الأمريكي المتقدم الذي زودت به إسرائيل يقودها سفاح القرن شارون مسنودا بموقف من الانحياز الأمريكي غير مسبوق في التاريخ·
لقد أعادت الدماء الفلسطينية الصواب لشذوذ الموقف الأوروبي وأجبرت الأمريكان لتعديل مسار موقفهم الظالم المساند للإجرام الصهيوني وهو الموقف الذي كان يدين الفلسطينيين لكل ما قاموا به من مقاومة وكل ما لم يقوموا به ويحملهم تبعة “العنف” رغم أن الاحتلال هو إسرائيلي لأراضي فلسطين وليس العكس ورغم عدم توازن القوى·
وأجبرتهم كذلك على التخلي عن مساندة موقف شارون بالتوقف التام عن عمليات المقاومة كشرط أساسي للتفاوض كما أجبرت الأمريكان على إجبار شارون على التخلي عن ذلك الشرط·
وأحيت الانتفاضة في الإنسان العربي الأمل بعد سلسلة الهزائم التي مني بها العرب وبعد انهيار وحدة الموقف العربي الذي نتج عن صلح السادات مع إسرائيل وغزو صدام للكويت·
والآن تتصاعد الانتفاضة بعزم وثقة لتعيد القضية الفلسطينية لواجهة الأحداث مرة أخرى، وتفشل صلف شارون الذي تسلح بكل الغرور الصهيوني وبناء نفسي معقد من ممارسة الإجرام ضد العرب وتقزمه أمام ناخبيه الذين توخوا فيه قارب نجاتهم الأخير وآخر طلقاتهم·· وتبدأ معنوياتهم بالانهيار وتأييدهم لشارون يتقهقر، بينما يشع في عيون أطفال فلسطين أمل بقرب الخلاص ويدفعهم الى مواصلة الكفاح، فلن يزكي الدماء التي سفكت سوى الدماء ولم يتبق لديهم شيء ليفقدوه غير الاحتلال البغيض وعندما تأتي القمة لن يكون أمام القادة العرب سوى تقديم الدعم الحقيقي والفعلي للفلسطينيين دون أن يفرض أحد عليهم حلا أو موقفا· فهم الذين يواجهون العدوان وهم الذين يدفعون الثمن ويتحملون النتائج· ويجب أن يكون في بال أحد أن يدفع أو يوافق على المزاوجة بين مبادرة الأمير عبدالله وأي مبادرة أمريكية صهيونية لتبدأ المفاوضات من جديد· فلقد سئم الشعب الفلسطيني تجزئة القضية والسير في المتاهات وأصبحت لديه رؤية واضحة “تفلترت” عبر دماء الفلسطينيين تتلخص بقيام الدولة الفلسطينية على أساس قرارات مجلس الأمن 242 و338 والإقرار بحق العودة للاجئين، والفلسطينيون وحدهم هم الذين يستطيعون التفاوض من أجل تنفيذ ذلك، وواجب العرب هو دعم توجههم سياسيا ومعنويا - وبالمال - من أجل تحقيق أفضل النتائج·