بقلم: أحمد النفيسي
هناك إجماع في الشارع الكويتي وعلى جميع مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن انفجار الروضتين الذي ضرب الكويت والكويتيين في موجع هو تجسيد مشتعل للأزمة التي تخنق البلاد وتكاد تقضي عليها، وإعلان مرعب عما هي عليه الحال الآن في البلاد وما يمكن أن تتدهور إليه في المستقبل·
لقد منحنا الله وطنا يقع على أفضل موانئ الخليج العربي الطبيعية، وشعبا اجتهد طيلة تاريخيه يصارع البحار ليعمره ونظام حكم لم يأت بالسيف أو على ظهر دبابة بل نشأ بالتطور الطبيعي من بين أهله باختيارهم وتراضيهم·
وأنعم الله علينا بثروة لم يهيئها للكثيرين من غيرنا ودستور هو الأفضل بين دساتير المنطقة ينظم علاقاتنا ببعضنا في إدارة شؤون وطننا لتأمين سلامته والارتقاء به، وضمان مستقبل أجيالنا القادمة كل ذلك في أجواء من الحرية والديمقراطية·
لكننا·· رفسنا النعمة·
فكم من الشعوب يتوافر لهم ما توافر لنا ويعيثون فسادا بوطنهم ونظامهم ومصائرهم بالطريقة التي نفعل· وكم من الأوطان يتوافر لها كل مقومات النمو والازدهار وتشيخ وهي في ريعان الشباب؟
لقد أفسدنا الحكم برفض قبول دستور 1962 والصراع معه على مدى أربعين عاما· وأفسدنا تبعا لذلك مجلس الأمة بتغذية التعصب القبلي والتحزب الديني وشراء الذمم في الانتخابات وبالوساطة والانتفاع· وأفسدنا الاقتصاد بوضع الأولوية لكيفية سرقة المشاريع والصفقات، ومن يستفيد من “القمسيونات”·
وفسد بمواكبة كل ذلك الجهاز الإداري الحكومي وأصبح معوقا رئيسيا لتنمية الوطن·
في السبعينيات من القرن الماضي كنا ننظر الى إدارة القطاع النفطي كنموذج مشرق لما يمكن أن تصبو إليه الإدارة الحكومية من جدية في العمل ورقي في التقنية والكفاءة وإجزال في الثواب وحزم في العقاب، ونهوض في التطوير·
إلا أن المفسدين في الأرض جردونا من الأمل·
والآن نصاب في الروضتين بعد أن أصبنا في الشعيبة والأحمدي·· وغيرها وغيرها، ونكتشف أن عشرات الحوادث التي كادت أن تتسبب في كوارث ربما قتلت الآلاف قد غطي عليها بينما تعيش بلادنا على حقل ضخم من الألغام ومشاريع لكوارث لا يعلم إلا الله مداها· ونصاب في رزق الكويتيين ومصدر قوتهم·
والآن نتنادى لنقف في وجه هذه الأزمة، يستقيل وزير النفط متحملا المسؤولية السياسية وتشكل الحكومة لجنة تحقيق في الحادث ويكلف مجلس الأمة اللجنة الصحية!! للتحقيق في الحادث· ثم ماذا؟! ثم لن يحدث شيء وستعود المياه التي حركت قليلا الى الاسن من جديد·
فأسباب الانفجار الذي حدث في حقل الروضتين هي جزء من ظاهرة شاملة من الفساد تحتاج معالجتها الى إعادة صياغة شاملة لمجمل حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإعادة بث الروح وبلورة أهدافنا الوطنية ورسم استراتيجية عصرية للوصول إليها·
ومهمة من هذا النوع تقتضي تغييرا جوهريا بالطاقم السياسي الذي يصنع القرار ويمارس سلطات تنفيذه فلقد أدت القيادة الحالية ما عليها وخدمت الكويت على مدى أربعة عقود من الزمن، ولكن الزمن الآن تغير، تغير في معطياته وتطور في آفاقه وتطور في الأدوات التي تستخدم للوصول الى تلك الآفاق· وهو ما يقتضي بالطبع تغييرا بالعقلية التي تقود البلاد· أن ذلك يعني أن يتسلم القيادة طاقم جديد من الشباب بعقلية جديدة شابة تتفهم متطلبات العصر، وتمارس المهام الجديدة· جيل جديد من صناع القرار يتولون المسؤولية بمباركة وتوجيه من سمو أمير البلاد منحه الله الصحة والعافية وطول العمر، ويضعون نصب أعينهم إقامة دولة المؤسسات في ظل السيادة الصارمة للقانون والدستور وتكافؤ الفرص، يعيدون الدماء المتدفقة الى عروق وطننا الشاحب· ويعيدون الأمل والطموح الى نفوس شبابنا والبسمة على شفاه أطفالنا·
وسيسجل التاريخ ما لنا وما علينا، وستسجل الأفعال العظيمة بأحرف من نور· وكما قال أميرنا “كلنا زائلون والكويت هي الباقية”·