لم تجد إحدى السيدات الكويتيات أبلغ قولاً وهي تتأمل ذلك الجمع الكبير المتناغم الذي التأم شمله جماعات·· جماعات حول الطاولات الكبيرة المنتشرة في قاعة "الثريا" الجديدة في فندق المريديان غير قولها برضى وغبطة·· "سيمفونية·· وانعزفت"·
كان الزمان هو مساء الأربعاء 4 ابريل··· وكانت المناسبة هي حفل العشاء الختامي للمشاركين في مؤتمر المرأة العالمي الثاني بعد التحرير الذي أقامته الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في الكويت·· وكان التعليق هو حول ذلك الانجاز الرائع للفعاليات المتكاملة للمؤتمر والتي كانت نهايتها السعيدة في قاعة "الثريا"·
لم تكن تلك السيدة المغتبطة تماري نفسها أو تبالغ في شيء، بل كانت تلخص بكلمتين وبصدق شديد ما شعر به جميع من حضر الحفل وساهم في فعاليات المؤتمر·
فلقد وقفت د· فوزية عبدالستار رئيسة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب المصري وأستاذة القانون لتقول أمام الجميع وبتأثر "لقد حضرت مؤتمرات عربية ودولية كثيرة ولكنني لم أر مؤتمراً أفضل تنظيماً وأكثر حفاوة مما شاهدناه معكم هنا في الكويت وكانت الأوراق التي قدمت والمناقشات الجادة التي دارت على أرقى مستويات شهدتها في العالم"·
وشكرت الخبيرة الدولية د· نزيلة هيركوك المحاضرة في القانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة لندن، شكرت الجمعية الثقافية للكرم والحفاوة "التي لا تصدق" وقالت "لقد حضرت مؤتمرات في جميع أنحاء العالم ولكن الكرم والدفء اللذين حظينا بهما هنا لا يقاسا بما قابلنا في أي مكان آخر، فلقد كان فيضاً غامراً"·
هذه التعبيرات نماذج مما ذكرته المشاركات قاطبة في المؤتمر أمثال فاطمة هاشمي رفسنجاني (إيران) ومنى الهراوي (لبنان) وهيفاء بوغزالة (الأردن) وفتحية بحران (اليمن) وكي ماكسويل (الولايات المتحدة) والمناضلة الفلسطينية ثرى بلاطة (القدس)·· وغيرهن من القياديات على مستوى المنطقة والعالم·· ولا نريد أن نذكر ما قاله "أهل البيت" من دول الخليج·
لقد شارك في المؤتمر 45 شخصية عربية وعالمية قدمت من أكثر من عشرين دولة عربية وأجنبية بالاضافة إلى 65 شخصية كويتية، قدم الكثير منهم مساهمات قيمة كسبت احترام وتقدير الجميع وطرحت في المؤتمر 40 ورقة وبحث غطت مساحات واسعة من مناحي الحياة لخصها عنوان المؤتمر "دور المرأة في التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية" ابتداءً من دورها في التعليم والإعلام إلى قضية العولمة وشبكات الاتصال وموقع المرأة منها وقضية المرأة وصنع القرار إلى قضية حقوقها السياسية والإنسانية والموقف من العنف ضدها ودور المنظمات الاقليمية والعالمية في تعزيز دورها·
كان المؤتمر احتفالية حقيقية للمرأة الكويتية حضر افتتاحه أكثر من خمسمئة شخصية مهتمة وطرحت فيه قضايا المرأة الكويتية وقضايا الوطن من خلال ارتباطها بقضايا الإنسان المعاصر في العالم وكجزء منها فانتشل الطرح الكويتي من التقوقع المحلي، الذي سجننا فيه الاحتلال، وأوصل قضايانا بشكل مؤثر وغير مسبوق لعقول وضمائر المشاركين·
من حضر المؤتمر واستمع إلى الكلمات والنقاشات التي دارت أعجب اعجاباً شديداً بكيف استطاعت نساء الكويت أن ينسجن بمهارة بالغة قضية الكويت الأولى في مواجهة العدوان والتهديدات العراقية وقضية أسرى الكويت القاسية في نسيج أعمال المؤتمر العلمية والثقافية والاجتماعية·
فلقد ترقرقت الدموع في مآقي جمهور حفل الافتتاح عندما خاطبت السيدة الفاضلة والدة الأسير خالد الصانع المؤتمر بكلمة مؤثرة عبرت فيها عن لوعة أمهات الأسرى ومعاناتهن·· وترقرقت مرة أخرى في عيون المؤتمرين في اليوم الثالث للمؤتمر عندما تحدثت السيدة الفاضلة والدة الأسير أحمد العصفور، وتسمرت الحاضرات في مقاعدهن لا يقوين على النهوض منها حتى بعد أن انتهى عرض فيلم حرائق الكويت الذي صور بشكل مرعب مدى التدمير الجنوني الذي أحدثه نظام صدام في ثروات وآبار نفط وبيئة بلد عربي جار ومسالم، بينما أخذ بعضهن يمسحن دموع التأثر· وتمتم بعضهن كما لو كن يخاطبن أنفسهن: "لم نكن نعرف·· لم نكن نعرف"··
وقالت السيدة كي ماكسويل وهي نائبة رئىس جمعية الناخبات للولايات المتحدة: "لن أنسى هذا·· ولن أنساكم·· ولن تمسح من وعيي ذكراكم، وسأتحدث عنكم دائماً وحيثما أذهب"·
أما المناضلة الفلسطينية ثرى بلاطة وهي إحدى بطلات الانتفاضة الفلسطينية الأولى وممن ذقن مرارة الأسر في السجون الإسرائيلية فقد قالت بألم: "إننا لم نكن نعرف كل هذا، والآن أعرف كيف أن الصورة لدينا مقلوبة· لقد تعرضنا إلى الكثير من التضليل ولكن اسمحوا لي أن أقول لكم انكم مقصرون في ايصال صورة ما حدث للعالم· سأعود غداً إلى القدس وسأتكلم عما شهدته ولمسته بنفسي، وسأرفع صوتي ولن يستطيع أحد إسكاتي"·
***
لقد كان المؤتمر هو النموذج المثالي الذي قدمته المرأة الكويتية لما يمكن أن يكون عليه العمل الوطني وهو يخاطب الوطن العربي والعالم في زمن نحن بأشد الحاجة فيه إلى أنموذج وريادة ترينا كيف ننهض من هذا الشلل الذي أصابنا خلال عشر سنوات تركنا فيها الساحة للأفاقين من زبانية صدام يملأونها كذباً وبهتاناً وتقوقعنا فيها على أنفسنا نجتر أحزاننا ونلعق جراحنا ونتحدث إلى العالم بطريقة فجة وغبية كأن كارثتنا منحتنا التأهيل لنكون مركز هذا الكون وعلى الآخرين أن يرتبوا أوضاعهم وحساباتهم بناء على ذلك، حتى ساد صدام في الشارع العربي·
والآن وقد بدأنا نستفيق من غيبوبتنا ونسترد رشدنا ونخاطب العالم بلغة العقل والمنطق والاهتمام المتوازن بهموم الآخرين لتحقيق المصالح المشتركة··، يأتي مؤتمر المرأة ليقدم النموذج الكويتي المطلوب للتعامل مع محيطنا ومع العالم· حيث كان نمطه ومضمونه شديدي البلاغة والفعالية، فلنحفظ هذا الدرس·
***
وتبقى بعض الملاحظات والعبر:
الأولى هي أن الكويت تملك فعاليات وطنية هائلة ممثلة في جمعيات النفع العام والنقابات والهيئات الأخرى مما يندرج تحت مسمى المنظمات غير الحكومية وهي بحاجة الآن إلى دعم حكومي كبير مادي ومعنوي وتنشيطها لتؤدي دورها الوطني التي هي أكثر جدارة بالقيام به من مؤسسات الدولة وإعلامها·
لقد رعى الشيخ صباح مؤتمر المرأة ودعمته الدولة ممثلة بوزارة الشؤون دعماً مهماً ولكنه جزئي، وقدمت الإعلام بالتعاون مع دار الآثار الإسلامية مسرحية "بن بطوطة" الذي غادر الكويت في رحلة حول العالم وحين عاد اليها وجدها مدمرة ومحروقة وتراثها وآثارها الإسلامية مسروقة، وكذلك ساهم المجلس الوطني للثقافة بليلة تراثية وطنية رائعة في المدرسة القبلية، وساهمت "الكويتية" بثماني تذاكر توزعت بين عمان والبحرين وقطر!! أما المركز العلمي، التابع لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي التي تكنز من دون وجه حق أو فائدة أكثر من مئتي مليون دينار من الأموال المقتطعة من أرباح مساهمي الشركات الوطنية الكويتية الخاصة والتي رفضت أن تساهم بـ 50 فلساً دعماً للمؤتمر، فقد اشترط دفع 750 ديناراً رسماً لعرض فيلم حرائق الكويت لضيوف المؤتمر وإلا سيجدون أمامهم عندما يزورون المركز فيلم "ميكي ماوس"!
في مقابل هذا القحط تبرع المواطن زياد محمد السنعوسي استشعاراً للمسؤولية الوطنية فقط باستضافة المؤتمر بوليمة غداء أقامها في "بيت 7" واستقبلت ضيوف المؤتمر والدته السيدة باسمه سليمان وقدمت لهم طبخات كويتية أصيلة بكرم وفيض من دفء المشاعر· ومع زياد السنعوسي كانت هناك عشرون مؤسسة وطنية قدمت مساهمات مهمة استجابة لاتصالات عضوات الجمعية الناشطات لتوفير التمويل للمؤتمر·
والملاحظة الثانية هي أن هذا المؤتمر هو نموذج مُشرق للتميز والإبداع لجهود وعطاء المرأة الكويتية التي لم يستطع الرجال في بلدنا مضاهاته، وهو أيضاً نموذج مشرِّف للعمل التطوعي الكويتي في أبهى صوره عندما يجير بكل تفاصيله من أجل مصلحة الوطن· وهو كذلك مثال فريد للسحر الذي يمكن أن يفعله العمل الجماعي المنظم·
لقد عمل على انجاح المؤتمر ما يقارب الخمسين سيدة وفتاة من عضوات الجمعية الثقافية جئن من مختلف مناحي ومناشط الحياة ومن شتى المستويات العلمية والمهارات، وعمل كثير منهن لشهور عدة من أجل أن يقدمن هذه المنسوجة الخلابة للجهود عندما تتضافر وتتكامل·
ولعل أفضل ما قيل في هذا الصدد ما لاحظته إحدى عضوات هذا الفريق وهي تنظر بارتياح للثمار التي تحققت، قالت: إن السرّ فيما تحقق من جهد هو عمل الفريق الواحد، فلم تكن هناك أوامر تصدر من أحد ولم يكن هناك من يقودنا، كنا نحن نناقش ونقرر وكنا نحن الذين ننفذ ولذلك كانت تلك النتائج الباهرة··· التي وصفتها تلك السيدة وهي تنظر برضى وغبطة إلى الجمع المؤتلف في قاعة الثريا في فندق المريديان بأنها "سيمفونية·· وانعزفت"·