الى وقت كتابة هذه الافتتاحية في تمام الساعة السادسة والنصف من مساء أمس كانت الأزمة مستمرة في طريقها المسدود، قبل ذلك كنا قد كتبنا افتتاحية متفائلة عما تسرب من ترتيبات تقول إن الصراع في مؤسسة الحكم قد حسم، وأن ملامح حكومة متجانسة في الطريق الى الظهور· إلا أن ذلك كان على ما يبدو من باب الأمنيات، مما أضاف الى إحباطاتنا إحباطا جديدا· ذلك أن الكويتيين أصبحوا في بلدهم الذي بنوه بعرق آبائهم عبر مئات السنين كالمتفرجين على أحداث فيلم سينمائي في دار للسينما، دخلوا إليها دون أن يدفعوا ثمن تذاكر الدخول، لقد أهدرت حقوقهم وعوملت استشاراتهم، كما عوملت استشارات رجالات الكويت قبل الإعلان عن قيام المجلس الوطني·
إنهم يتحملون الآن مسلسل الصراع المضني الذي يستنزف قواهم دون أن يكون لهم دخل فيه، ولا هم يريدون أن يكونوا طرفا فيه، ولكنه أخذ يحطم وطنهم ويلقي ظلالا كئيبة وخطرة على مستقبله· ولذلك فإن هذا الصراع يعنيهم بتلك الحدود وهي مسألة خطيرة·
إننا لا نستطيع أن نؤثر فيما يجري سوى بالمطالبة بالحسم لصالح الوطن ورفع الصوت بذلك ولكن طالما رفع الناس أصواتهم فجوبهوا بالصمت المطلق، ولذلك ليس هناك من بد من تفعيل أدواتنا الدستورية التي حملت مجلس الأمة الذي هو ممثلنا ليضع الأمور في نصابها إن هي شطت، وأول هذه الأمور هو مواجهة الحكومة، إذا لم يكن تكوينها يشكل خطوة حقيقية نحو الإصلاح بمقاطعة جلسة حلف القسم لإجبار المسؤولين على الارتقاء الى مستوى طموحات الناس والمخاطر التي تحيق بالوطن·
أما إذا تخطت تلك الجلسة فيمكن المجابهة بتفعيل المادة 102 من الدستور بإعلان عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء· إننا لا نود أن يتم اللجوء الى تلك الحلول القصوى، فنحن لسنا طلاب صراع من أجل الصراع، ولكن ماذا يفعل الناس إذا أسقط بأيديهم ووجدوا أن بعض مسؤوليهم لم يرتقوا الى مستوى الحد الأدنى من الطموح الذي يتطلبه الوطن، فهذا الدستور ومواده لم توضع للزينة أو مباهاة الدول الأخرى بها·
لقد توقفت حال البلاد، وأخذ كثير من أوجه الحياة يضمحل وينهار في وطن مليء بالإمكانات البشرية والمادية بسبب إهدارنا طاقاته وموارده وأعمار أجيالنا الشابة من أجل أن يحافظ البعض على مكاسبهم وأوضاعهم وأمزجتهم وهذا لا يجوز أمام الله وأمام الضمير وأمام الإنسانية·
لقد أصبح وطننا اليوم يواجه أوضاعا إقليمية ودولية خطيرة ونحن نتآكل ونهترئ ولا نستطيع أن نحاور العالم أو نجاري أيا من المتغيرات، حتى أن قياداتنا لم يعد لديها الحد الأدنى من القدرة للقيام بواجبات الزيارات للدول لتحقيق مصالحنا، أو حتى استقبال زائرين· ونحن نتمنى للجميع طول العمر والعافية، ولكننا لا نعتقد أن أحدا يختلف معنا إذا قلنا إن وطننا أهم من أي فرد منا جميعا، وأن أكثر المسؤوليات الكبرى يجب أن تنقل الى الأجيال الشابة، وأن أبناء الشعب يجب أن يتحملوا قسطا من تلك المسؤولية بتولي سواء أي من وزارات السيادة أو حتى رئاسة مجلس الوزراء·
إن مجابهة الأوضاع الخاطئة وتصحيحها بتفعيل الأدوات الدستورية في مجلس الأمة· يجب أن يكون خيارا حقيقيا ومفتوحا، ويجب أن يعلم من في السلطة أننا سنستخدم حقوقنا، وإذا كان ثمن ذلك حل مجلس الأمة فليس بقاء مجلس الأمة الحالي أهم من خروج الكويت من حالة الاختناق التي تكاد تميتها، أما التلويح بتعليق الحياة الدستورية فهي مسألة غير جدية، لأن مسؤولينا يدركون مدى جسامة هذا التصرف في هذا الزمن الخطر، ولأنهم يدركون موقف الدول الحليفة الكبرى، ونحن على وشك تجديد الاتفاقيات الأمنية، ويدركون أيضا أن شعب الكويت قد عمّد حقوقه الدستورية بدمائه التي وهبها لوطنه أثناء الاحتلال وبصموده وبالتفافه وراء القيادة الشرعية الدستورية·