كان لتصريح النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بأنه هنأ الزميل رئيس تحرير "الرأي العام" على الافتتاحية التي طالبت برفع الحصار عن الشعب العراقي وتوجيه العقاب لنظام صدام حسين ردود عربية ودولية واسعة إذ يعتبر تطوراً مهماً في السياسة الخارجية الكويتية·
وطرحت الأوساط الإعلامية التساؤل الكبير: هل أصبح هنالك موقف جديد متبلور لدى الحكومة الكويتية تجاه رفع الحصار، وهل هذا الموقف ينادي أو يطالب برفع الحصار أم يكتفي بعدم الممانعة على رفع الحصار، وهل هذا الموقف جرى التعبير عنه بالاتفاق أو بالتنسيق مع الأشقاء والحلفاء وعلى الأخص المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة؟
ويأتي هذا الموقف في أعقاب زيارة الوفد البرلماني برئاسة رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي إلى الشقيقة جمهورية مصر ومقابلته للرئيس حسني مبارك وكبار المسؤولين والتي ترافقت مع زيارة طه ياسين رمضان لمصر كأكبر مسؤول عراقي يزورها منذ عشر سنوات التي انتهت بتوقيع اتفاق تجاري بين العراق ومصر لرفع قيمة الصادرات المصرية إلى العراق إلى ما قيمته مليارا دولار·
لقد بات واضحاً أن هنالك موقفاً ناضجاً لدى القيادة المصرية يطالب برفع الحصار عن العراق يترافق مع الدعوة إلى تصفية الأجواء العربية والحرص على التئام العلاقات العربية بعقد دورات سنوية منتظمة لمجلس القمة العربية وتسريع العمل لإحياء السوق العربية المشتركة·
وهذا الموقف تجاه رفع الحصار وتصفية الأجواء العربية لا يقتصر على مصر بل على الكثير من الدول العربية، بما فيها بعض الدول الخليجية بل بعض الدول ومنها دول كبرى في الساحة الدولية·
وإذا كانت الكويت لا تستطيع أن تغير التاريخ ولا الجغرافيا وأن المستقبل لا يمكن أن يكون مستقراً إلا مع وجود علاقات متينة مع عراق مستقر وعلاقات أخوية مع الشعب العراقي مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل فإن مساهمة الكويت في رفع المعاناة عن الشعب العراقي الذي أرهقه الحكم الظالم تصبح نوعاً من الاستثمار في المستقبل·
لقد أخذ الحصار بالتهاوي على أي حال، ومن الغباء أن نقف عكس سير الأحداث فهذا الموقف يستخدم ضدنا دون فائدة نجنيها في المقابل، بل إن اثنين لا يختلفان الآن على أن الشكل الحالي للحصار هو إضرار بالشعب وحده لأنه رغم أن النظام العراقي يتلقى أموالاً ضخمة من برنامج "النفط مقابل الغذاء" وأخرى من عمليات التهريب الكبرى بينما يستند إلى الحصار في التحكم بقوت الناس وتشديد قبضته القمعية وفي استقطاب اهتمام الشعوب الأخرى ومشاعرها وتجاهل ما يعانيه الشعب العراقي من تسلط النظام·
إلا أن الكويت مطالبة بأن تسعى في تعاملها مع هذه المستجدات والمتغيرات في الموقف العربي والدولي بصياغة موقف مدروس يبنى على تقدير دقيق لهذه المتغيرات ويتعامل معها بحكمة وحزم في الوقت نفسه، يقوم على إبداء التفهم لموقف الشقيقة مصر وبقية الدول العربية التي من الطبيعي أن تتأثر مواقفها بعد مضي عشر سنوات على غزو الكويت وتحريرها وما نشأ من تداعيات واستجد من ظروف·
ولكن الموقف الكويتي بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية إذا أبدى تفهماً للمتغيرات وتأثيرها في مواقف الدول العربية يجب أن يطالبها في الوقت نفسه بأن تتخذ موقفاً حازماً تجاه النزعة العدوانية لدى النظام الحاكم في العراق والحملات التصعيدية المتواصلة التي يشنها ضد الكويت والسعودية والاتهامات الكاذبة التي يوجهها إليهما وما يرافق ذلك من تعبئة لمشاعر الشعب العراقي من خلال وسائل إعلام وخطابات وتصريحات رموزه التي تتحدث عن العدوان على العراق عام 1991 والعدوان الإيراني عام 1980، بدلاً من غزوه للكويت وعدوانه على إيران·
هذه النزعة العدائية وما تفرزه من مواقف مغامرة من جهة والسيطرة على الشعب العراقي هي منبع القلق وعدم الاستقرار في المنطقة وهي التي تشتت جهود العرب وطاقاتهم بدلاً من أن توجه لمجابهة العدو الصهيوني·
ويجب أيضاً أن تشدد السياسة الكويتية على مطالبها وحقوقها الأخرى الناتجة من الضرر البليغ من العدوان والاحتلال والتدمير وأن يكون في رأس المطالب وبعدها قضية أسرى الكويت الذين يحجزهم الطاغية، عسى الله أن يُفرّج كربتهم ويردهم إلى أهلهم وذويهم·