سقط مشروع قانون الحقوق السياسية للمرأة، وتلقت نساء الكويت والقوى الديمقراطية المساندة لحقوقها الإنسانية، اللصيقة بآدميتها والتي نص عليها الدستور، هزيمة موجعة في أعز أحلامها· وتبددت الصورة الجميلة التي رسمتها مبادرة سمو الأمير وأشاعت البهجة في البلاد وأثارت إعجاب العالم وذهبت ضحية للصراعات داخل النظام وتآمر أحزاب الإسلام السياسي وقوى العصبية الجاهلية والتخلف كما ذهبت ضحية الانتهازية السياسية والمداهنة وتصفية الحسابات·
لكن أحداث جلسة مجلس الأمة المنعقدة في 30 نوفمبر عام 99 ستشكل علامة قاتمة ومفترق طرق في مسيرة المجلس· فلقد فرزت القوى وحددت المواقع وسقط فيها من كان يعتقد أنه يستطيع اللعب على الحبال الى ما لا نهاية ويستمرئ ذلك·
وإذا أردنا أن نستخلص عبرا من جلسة 30 نوفمبر فإننا نستطيع أن نحدد ما يلي:
أولا: لقد تحقق بما لا يدع مجالا للشك الصراع الخطر داخل النظام بحيث إن "نواب الصندوق" أصبحوا معارضة لأنهم يتبعون من يتحكم في الصندوق· ولقد أوضحنا في التحليل المنشور الى جانب هذا المقال الأخطار التي تتعرض لها الكويت وأهمية حسم الوضع وترتيب البيت لمواجهتها·
ثانيا: إننا إذا كنا قد قبلنا موقف النائب أحمد السعدون من المرسوم كتمسك بالدستور فإن الموقف تجاه ما أسماه بمخالفات اللائحة الداخلية لا ويمكن القبول به كذريعة لامتناعه عن التصويت على مشروع القانون فهذا الموقف لا يفهم إلا على أنه معارض لحقوق المرأة أو متهرب من التصويت ممالأة للتيار الديني وكلاهما موقف غير مقبول، خصوصا أن تمكين المرأة من حقوقها السياسية هو دفاع عن الدستور وتطبيق للمادة 29 منه حتى لو كان ذلك على حساب اللائحة الداخلية للمجلس·
يضاف الى ذلك أنه رغم خبرة السيد السعدون وتمكنه من معرفة اللائحة الداخلية فإن الخبراء في المجلس يناقضون رأيه ويصرون على أنه ليس هناك أي انتهاك للائحة، فالتعديلات على مشروعات القوانين التي يجب أن يجري توحيدها هي التي تتناول موضوعا وليست مواضع متعددة فحقوق المرأة هو غير سن الناخب وغير حق العسكرية في الانتخاب· إلا أنه يحضرنا في هذا الوقت "انتهاك" اللائحة الداخلية عندما صوت الرئيس السعدون على قانون المديونية مرتين متتاليتين لأنه سقط في المرة الأولى مما كان سيترك فراغا قانونيا، وكان مبرر خرق اللائحة (الفراغ القانوني) لا يقارب حجم الانتهاك الصارخ للمادة 29 من الدستور·
ومن تقلبات الأقدار أن نرى أن تصويت رئيس مجلس الأمة الحالي جاسم الخرافي يصب بالنتيجة في نفس هذا الاتجاه فيمالىء الأحزاب الدينية من أجل انتخابات الرئاسة·
ونحن نتعجب من موقف الرئيس الخرافي المعادي لحقوق المرأة في الوقت الذي يأتي للمجلس ممثلا لمنطقة مستنيرة مثل الشويخ والشامية وليست منطقة قبلية مثل أم الهيمان· كما نتعجب على جسارته في اتخاذ هذا الموقف بينما تترأس السيد الفاضلة شقيقته أكبر صرح علمي هي جامعة الكويت·
ولعلنا لا نبالغ أن أسوأ سمعة للكويت يمكن أن تتحقق هي عندما يعرف العالم أن اثنين من رؤساء مجالسها يقفان هذا الموقف من حقوق نساء الكويت في خرق لمبادئ دستور بلادهم وانتهاك فاضح للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان·
ثالثا: إن قوى التقدم والديمقراطية في هذا الوطن قد خسرت معركة أخرى على طريق إشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمكين نصف المجتمع الكويتي من ممارسة حقوقه المنتهكة ولكننا يجب أن نفهم أنها كانت معركة واحدة على طريق تحرير المرأة وهي قضية حتمية سيفرضها الزمن إن لم يكن النضال· وإن مبادرة سمو الأمير قد فتحت غطاء القمقم وخرج المارد ولن يرجع أبدا، لقد أصبحت قضية حقوق المرأة بعد المبادرة غيرها قبل المبادرة وأصبح النضال الآن حولها ومن أجلها القضية المحورية الأساسية لترسيخ الديمقراطية· وأن الحقوق لا تأتي على طبق من ذهب بل بالعمل والنضال، وأمامنا الآن محكمة دستورية، وأمامنا جميع وسائل الضغط من صحافة وهيئات شعبية ونقابات وجمعيات وناخبين في المناطق الانتخابية، وأمامنا بعد ذلك صناديق الاقتراع ليقول الناخبون الكلمة الفصل·
فيا نساء الكويت لا تهن ولا تبتئسن فحقكن سينتزع انتزاعا وقوى الخير والحرية والتقدم في صفوفكن، ومعكن المستقبل واندفاعات التاريخ·