كان يوما حزينا في الكويت يوم أمس، فلقد اقتاد رجال المباحث رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت وأحد مفكري الكويت البارزين الدكتور أحمد البغدادي إلى إدارة التنفيذ في الجابرية ثم أودع سجن طلحة ليقضي شهرا كاملاً تنفيذا لحكم قضائي في قضية رأي جاء كنهاية لقصة مأساوية·
لقد أنهت هذه الواقعة صورة الكويت الوضاءة حيث لم يكن فيها قبل ذلك سجين سياسي واحد أو سجين رأي مما جعل وطننا جزيرة إشعاع للحرية وسط غابة من المظالم كسبت احترام العالم ودعمت أمن الوطن·
ولقد دشن حبس البغدادي عهدا غير مجيد يزج فيه المفكرون وأصحاب الرأي بالسجون وأصبحت إذاعات العالم وصحفه والجمعيات الدولية المدافعة عن الحرية وحقوق الإنسان تلوك سمعتنا ليل نهار، بينما كل ذخيرتنا التي ندافع بها عن هذا الوطن تنطلق من تلك الدول والمؤسسات·
لقد انتقلت الكويت من مرحلة إلى مرحلة أسوأ، ونحن هنا لا نلوم قضاءنا أو قضاتنا بل نوجه اللوم الأول لأنفسنا حكومة وشعبا، حيث تركنا الحبل على الغارب وتهاون بعضنا في الخضوع لتيارات الإرهاب الديني والفكري وابتزاز أهل الكهف الذين أخذوا يفرضون علينا أفكارا متحجرة عفا عليها الزمن وتجاوزها الإسلام السمح المستنير كما تجاوزتها منذ زمن طويل روح العصر فانتهينا إلي انتقال السلطات إلى الغوغاء التي تستغل الثغرات بالقوانين لتحكم بلدنا من أوكارها·
لقد ناضل أباؤنا من أجل حياة دستورية كريمة يسودها التسامح إلا إننا تراخينا في النضال من أجل إسقاط عقوبات السجن في جرائم الرأي كما استهنّا بالقوانين المطاطية الهلامية التي أدخلتها قوى الظلام على قانون المطبوعات والنشر حيث نفاجأ الآن بمن يستغلها أسوأ استغلال ويهدم روح المحبة والتسامح التي غمرت الكويتيين ووطدت أواصر التلاحم بينهم منذ أن التأم هذا التجمع السكاني في القرين على ضفاف جون الكويت·
لقد دخلت الكويت أمس نفقا مظلما من ذلك النوع الذي انتهى بغيرنا إلى الدمار والعنف، ولننظر ما حدث لمفكر فذ مثل فرج فوده أفتى بعض المتطرفين بإلحاده فكان نصيبه الاغتيال من قبل المتعصبين·
وإذا كان هناك من يعتقد أن في هذا مبالغة فليقرأ ما كتبه أحد الغلاة من أصحاب الدعوة ليل نهار لقيام "الدولة الإسلامية" في الكويت وهو د· عبد الرزاق الشايجي· فلقد كتب إثر صدور الحكم على د· البغدادي في صحيفة "الوطن" مقالا نشر يوم أمس جاء فيه ما يلي:
"إن الحكم الذي صدر بحق البغدادي هو في الميزان الإسلامي حكم مخفف ولو قال البغدادي في دولة إسلامية ما قاله لأقيم عليه حد
الردة" ـ انتهى ـ وحد الردة كما هو معروف الإعدام ·
وهذا ما يريدون أن يقودوا الكويت إليه·
إن المطلوب الآن من الحكومة والقوى المستنيرة في المجتمع التآزر لتغيير القوانين القائمة بسد باب ما يسمى بدعاوى الحسبة التي يمكن أن ينفذ منها المتطرفون لحكم البلاد من الشارع وليس من خلال المؤسسات التي نص عليها الدستور وإلغاء عقوبة السجن لجرائم الرأي، وإلغاء جميع الثغرات والعبارات المطاطة التي تحتمل التفسير دون أن يكون لها معنى محدد، وإضافة الدرجة الثالثة من درجات التقاضي وهي التمييز في قضايا الرأي وعدم اقتصارها على درجتين·
أما الآن فإن القوى المستنيرة في الكويت بجميع فئاتها مدعوة للتلاحم والتفاعل للخروج من هذا المأزق ومناشدة صاحب السمو وهو والد الجميع بأن يضع حدا لهذه المأساة الكويتية ويمنح الدكتور أحمد البغدادي عفوه الكريم·