الأحزاب الدينية في الكويت، وبخاصة حزب الإخوان المسلمين "الحركة الدستورية الإسلامية" تمثل في واقع الأمر أحزابا سياسية وهي ليست مجرد جماعات دعوية، وهي لا تتخذ من الدين الإسلامي الحنيف مرجعية لها فحسب، وإنما تحاول فرض وصايتها على الدين من جهة وعلى سلوك الناس من جهة أخرى، فتكفر مخالفيها وتطعن في عقائدهم وتتدخل في حياتهم الخاصة وحرياتهم الشخصية، مستغلة بذلك روح التدين عند الكويتيين وغيرتهم على دينهم، لتحقق أهدافها السياسية في مد نفوذها وبسط سيطرتها ونشر برامجها وأفكارها وصولا الى تحقيق هدفها البعيد في إقامة الدولة الدينية بديلا عن الدولة الديمقراطية المدنية·
ونحن في "الطليعة" لا نناصب هذه الأحزاب العداء لكونها أحزابا، إذ إننا نؤمن بالتعددية السياسية، فهي أحد عناصر العملية الديمقراطية، ولكننا ندعو الى النأي بالدين الإسلامي الحنيف عن الصراعات السياسية والحزبية، ونعارض استغلال الدين لتحقيق أغراض سياسية·
كما أننا نأخذ على بعض هذه الأحزاب مناهجها غير المنسجمة مع المبادئ الديمقراطية، حيث يعلن كثير منها تحفظه تجاه القيم والمبادئ الديمقراطية ويكتفي بالممارسة الانتخابية والنيابية لتحقيق بعض أهدافه، من دون قبول بمبادئ سيادة الأمة والتعددية والحرية الشخصية وحرية المعتقد التي يكفلها الدستور، وكذلك معارضة هذه الأحزاب توسيع قاعدة المشاركة الديمقراطية، وبخاصة الموقف المناهض لتمكين المرأة الكويتية من ممارسة حقوقها الانتخابية كاملة·
وللأسف أيضا فإن التاريخ السياسي لمعظم هذه الأحزاب يكشف عن تحالفها الوثيق مع قوى الفساد وتحديدا مع سُراق المال العام، ، الذين فتحوا لكتّاب هذه الأحزاب صفحات جرائدهم، كما قدموا لهذه الأحزاب وجمعيات النفع العام التابعة لها التبرعات المالية لتنفيذ بعض مشروعاتها·
وفي هذا الاتجاه فقد توثق التحالف بين هذه الأحزاب والحكومة منذ العام 1976، وتحديدا في أعقاب الحل غير الدستوري لمجلس الأمة وتعطيل بعض أحكام الدستور، وشارك رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي حينها في وزارة الحل غير الدستوري، مكافأة على موقف الجمعية الرافض لمشاركة جمعيات النفع العام الأخرى التوقيع على بيانها المشترك المعارض لتعطيل بعض أحكام الدستور، كما حصلت هذه الأحزاب الدينية على تسهيلات كثيرة جراء ذلك، بدءا من الترخيص لجمعيات نفع عام جديدة لهم، وتمكينهم من فتح فروع لجمعياتهم ولجانهم في مختلف مناطق الكويت، في الوقت الذي تم فيه تعطيل النادي الوحيد للتيار الوطني الديمقراطي ألا وهو نادي الاستقلال الثقافي الاجتماعي بسبب موقفه المعارض للإجراءات غير الدستورية··· مرورا بتمكين العشرات بل المئات من أعضاء هذه الأحزاب من التفرغ من العمل ودفع رواتبهم كاملة للعمل في جمعياتهم ولجانهم، وكذلك تمكينهم من جمع مبالغ ضخمة من المال تحت ستار الصدقات والزكوات لتمويل أنشطتهم الحزبية والانتخابية ولمساعدة بعض الجماعات خارج الكويت··· وكذلك تمكينهم من إقامة مؤسسات مالية ضخمة وانتفاع بعض رموزهم من التسهيلات التي تقدمها لهم من دون وجه حق، وتسهيل وصول العديد من عناصر هذه الأحزاب الى مراكز قيادية في الجهاز الحكومي للدولة كوكلاء وزارات ووكلاء مساعدين متخطين بذلك زملاء آخرين لهم ممن هم أكثر منهم خبرة وعلما، والتستر على أخطائهم وممارساتهم غير القانونية لاستغلال المراكز القيادية في جهاز الدولة لتحقيق مآربهم الحزبية والشخصية، ولا يزال هذا الوضع مستمرا الى يومنا هذا·
وفي إطار هذا التحالف الحكومي مع بعض هذه الأحزاب الدينية نستطيع أن نفسر المواقف غير المبدئية والمتذبذبة، بل والتخريبية أحيانا، التي قامت بها أقطاب هذه الأحزاب فترة الحركة الشعبية المطالبة بعودة العمل بالدستور، كما حدث عندما سحبوا توقيعاتهم من المذكرة التي دعا إليها السيد عبدالعزيز الصقر للالتزام بالدستور في صيف عام 1990، وأضعفوا بذلك الموقف الشعبي·
وبعد عودة الحياة الدستورية فقد شاركت هذه الأحزاب في الانتخابات الفرعية الطائفية والقبلية ولا تزال تشارك فيها بصور مختلفة، كما سعى النواب المحسوبون على هذه الأحزاب الدينية بالتحالف مع الحكومة أكثر من مرة لإبعاد الكفاءات النيابية الأخرى عن المشاركة في عضوية اللجان البرلمانية، وأثاروا قضايا جانبية وخلافية وقدموا اقتراحات بقوانين مقيدة للحريات العامة، كما تخلى نواب هذه الأحزاب عن مطلب إصلاح السلطة التنفيذية الذي سبق لهم أن وافقوا عليه وأقروه في برامجهم الانتخابية تحت تأثير المزاج الشعبي الداعي له في انتخابات 1992، وانتهاء بتبني هذه الأحزاب الدينية بعض المرشحين المتورطين في قضايا نصب وتزوير وآخرين منتفعين ماليا، كما هي حال بعض مرشحيهم في انتخابات سابقة للمجلس البلدي·
إننا في "الطليعة" لا نسوق التهم جزافا، بل هذه هي بكل أسف بعض مواقف هذه الأحزاب الدينية وممارساتها، التي أردنا بيانها أمام المواطنين ليطلعوا على الحقائق·
وأخيرا فنحن لا نضع جميع الإسلاميين في سلة واحدة، بل نفرق بين العناصر المخلصة لدينها والحريصة على مصلحة بلادها ومجتمعها وبين العناصر المتاجرة بالدين وذات الارتباطات المشبوهة مع قوى الفساد، وستبقى أيدينا ممدودة دوما لكل إسلامي مخلص للتعاون معه من أجل تقدم الكويت ونهضتها·