ترددت أنباء عن استقالة الحكومة إثر جلسة مجلس الأمة أمس التي طرح فيها الاستجواب المقدم لوزير العدل والشؤون الإسلامية أحمد الكليب من النائب عباس الخضاري حول الأخطاء التي شابت طباعة نسخ من المصحف الشريف·
والتوتر السياسي وتصعيده لدرجة التأزيم ما هو إلا ظاهرة وأعراض تطفح على السطح لكن الأسباب والعلل أعمق من ذلك، فهي كالحمى التي تصيب الجسم عندما يصاب باعتلال عميق في داخله وقد أصبح هذا التوتر ظاهرة متكررة في الحياة السياسية الكويتية تطفو على السطح كلما ارتفعت حدة النقاش في المجلس أو زادت جرعة أو جرأة الانتقادات للحكومة أو قدم استجواب· فبعد 36 عاما من الممارسة البرلمانية لا نعتقد بأن أحدا يصدق بأن النقاش في البرلمان مهما ارتفعت حدته أو الانتقاد مهما زادت جرأته وصرامته أو الاستجواب مهما تكرر استخدامه يمكن أن يؤدي الى ارتفاع درجة التوتر أو التأزيم، فهذه الأمور من طبيعة الحياة السياسية والممارسة البرلمانية لا تكاد تخلو منها أية تجربة برلمانية في أية منطقة من العالم·
بل لكي لا نذهب بعيداً فإن تجربتنا القصيرة قد شاهدت وتعرضت لنقاشات أكثر حدة وانتقادات أكثر جرأة واستجوابات لشخصيات أكثر بريقا، بل إن ذلك حدث في بدايات التجربة في الستينيات والسبعينيات، ومع ذلك لم تؤد الى توتر ولم تدفعنا الى أحضان التأزيم فلماذا التوتر والتأزيم الآن ونحن يفترض أننا نقترب من مرحلة النضج وتجاوز كل أشكال الحساسيات·
إذن حمى التوتر والتأزيم يكمن وراءها أسباب مرضية في عمق الجسم الكويتي·
ويكاد يجمع الكويتيون أن هذا المرض العضال هو ناتج عن ضعف وهزال السلطة التنفيذية الى الدرجة التي أصابها بالشلل والعجز عن تقديم أي إنجاز وفشلت في معالجة ما يعانيه الجسم الكويتي من مشاكل باتت مزمنة مثل اختلال الأمن وركود بل تدهور الاقتصاد وضيق فرص العمل وصعوبة الحصول على السكن وتردي الخدمة الصحية وانخفاض مستوى التعليم وكثرة المخالفات وزيادة التعديات على القانون وانتشار الرشوة والفساد وتفاقم التطاول على الأموال العامة·
لقد ضاق أهل الكويت بتراكم وتنامي المشاكل من جهة وضعف الأداء الحكومي من جهة أخرى وصار التشبيه الدارج لأوضاعنا كأننا "سفينة طافية بلا بوصلة أو ربان"·
والآن ما هي الاحتمالات لتطور الوضع؟ وهي لن تخرج عن ثلاثة: إما تشكيل حكومة واستئناف المسيرة أو حل دستوري تعقبه انتخابات أو حل غير دستوري مع تعليق الدستور فإذا كان الهدف هو إنقاذ البلاد من واقع الركود والجمود ووضعها على طريق التقدم والنهوض فلا بد من تغيير جذري شامل في تركيبة السلطة التنفيذية برئاسة تستقوي - على حد التعبير الصحفي - بدماء جديدة وبرنامج إصلاحي جاد ومنهج حديث يواكب روح العصر· وسواء أعيد تشكيل الحكومة بعد استقالتها أو بعد إجراء انتخابات جديدة ما لم تأت حكومة بمواصفات جديدة مختلفة عن التركيبة التي عهدناها في العقود الماضية، فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه وسننتقل من أزمة الى أزمة وستبقى حالنا أزمة تلد أزمة ولسنا بحاجة للمحاججة للتأكيد بأن تعطيل الدستور هو أخطر ما يمكن أن تواجهه الكويت وخصوصا من الناحية الأمنية في ظل الظروف الإقليمية والعالمية الراهنة·
أما الحل الدستوري الذي تعقبه الانتخابات فذلك حق لسمو أمير البلاد وفقا لتقييمه وتقديره للأوضاع أيا كان الرأي في مدى ملاءمة هذا الحل من عدمه وأما استقالة الحكومة وإعادة تشكيلها بنفس الطريقة التي درجنا عليها خلال العقود الماضية فلن يؤدي الى انتشال البلاد مما تعانيه من ترد وتدهور وما تتعرض له من أزمات بل إنها وصفة لمزيد من تكرار وتجدد الأزمات التي نحاول الهروب منها·