Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24-30 شوال 1419هـ - 10-16 فبراير 1999
العدد 1364

للطليعة كلمة
حان وقت التغيير

منذ عام 1978 والى الآن حدثت تطورات هائلة غيّرت وجه العالم على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية وفي العلوم والتكنولوجيا· انهار الاتحاد السوفييتي وأعيد توحيد ألمانيا وتوحدت أوروبا في أكبر تكتل اقتصادي شهده التاريخ، وبرزت تكتلات ضخمة أخرى في الأمريكتين وآسيا· وتغيرت طبيعة القضايا التي تقلق العالم فبرزت قضية البيئة وحقوق الإنسان وانتشار أسلحة الدمار الشامل· وأصبح العالم أثناء ذلك قرية تكنولوجية صغيرة ينكشف فيها كل شيء لكل الشعوب، ويشرف العالم الآن على ولوج الثورة العلمية الثالثة كما يستعد لاستقبال الجيل الثاني من الإنترنت·

ولكن خلال هذا الزمن بقيت الإدارة السياسية في الكويت هي نفسها وبذات التفكير والبرنامج·· لم تتغير·

ومنذ عام 1978 وجدت بلدنا نفسها على حافة الزلزال الذي فجّرته الثورة الإيرانية، ثم في وسط الحرب العراقية الإيرانية، ثم اجتاحت بلدنا جحافل الاحتلال الآثمة، فنهبت ودمّرت وأحرقت وانتهكت كل الحرمات·

ومنذ عام 1978 تعرضت بلدنا لكارثة المناخ وسرقة احتياطياتنا وانهيار أسعار النفط موردنا الأساسي· ولقد واكب ذلك كله فشل ذريع في مواجهة معظم تلك القضايا إن لم يكن كلها، ومازالت الأوضاع عندنا تتدهور بلا توقف وحتى هذه اللحظة الإدارة السياسية في الكويت ورغم ذلك بقيت هي هي، بذات المنهج لم تتغير·

نعم، لقد شُكلت منذ عام 1978 ثمانية تشكيلات وزارية وأجريت أربعة تعديلات وزارية أو يزيد، ولكن الحكومة لم تتغير، بل إن أغلب التشكيلات الوزارية إن لم يكن كلها كانت لمواجهة ظروف وقضايا آنية، ولكنها لم تكن تمتلك أية رؤية موّحدة أو برنامجا، إضافة الى أنه لم يكن يسمح لها بمناقشة أية قضايا حيوية أو اتخاذ قرار فيها· بل إننا نستطيع وبلا مجافاة للواقع أن نعتبر أن جميع التشكيلات الوزارية تلك هي تعديلات وزارية موسعة في حكومة واحدة ثابتة هي حكومة بعض أقطاب النظام التي ضاقت في بعض الفترات الأخيرة لتصبح حكومة قطب واحد من أقطاب النظام·

وطيلة هذه المدة كان لهذه الحكومة برنامج واحد واضح، ولكنه لم يكن يتعلق من قريب أو بعيد بمواجهة مشاكل البلاد· كان برنامج الحكومة هو تقليص الحقوق الديمقراطية للشعب الكويتي التي نص عليها دستور 1962· ولذلك، ورغم ضعف الغالبية الغالبة للتشكيلات الوزارية وعدم تناسقها، كانت هناك سلسلة واحدة متناسقة ومتصلة من الإجراءات لتنفيذ ذلك "البرنامج"، ابتداء من تشكيل لجنة تنقيح الدستور عام 1978، وطرح مشروع تنقيح الدستور على مجلس 1981 وحل المجلس وتعليق الدستور عام 1986 وقمع التجمعات الشعبية المنادية بعودة الحياة الديمقراطية وفرض المجلس الوطني خارج إطار الدستور عام 1990 ثم عودته بعد التحرير رغم العهد الذي تعاهدنا عليه في إعلان مؤتمر جدة التاريخي بأن الكويت المحررة هي كويت ديمقراطية تلتزم بدستور عام 1962·

وفي السياق ذاته جاءت محاولة العودة لتنقيح الدستور من خلال تفسير المادة 71 من الدستور بهدف فرض أسبقية الأوامر الأميرية التي صدرت أثناء حل مجلس الأمة على الدستور ذاته من أجل التقليل من شأنه وتخطيه·

هذا كان برنامج "الحكومة" الحقيقي أما مجالس الوزراء المتعاقبة فقد كانت في معظمها ولاتزال هي من أجل تصريف العاجل أو ما يستجد من أمور· لكن هذا "البرنامج" ووجه بمقاومة متصاعدة من القوى الديمقراطية في البلاد، ثم سقط في الاحتلال، فلا الناس التي خاضت مرارات الاحتلال تقبل به ولا القوى الدولية التي ساهمت في تحرير الكويت وتشارك بالمحافظة على أمنها توافق عليه·

ولقد أدت عبثية المحاولات لتطبيق "برنامج" "الحكومة" الى هذا التشابك والجمود المميت الذي يشل الحياة في جميع مرافق البلاد ويشيع اليأس والإحباط· إلا أن تطورات إيجابية أساسية قد حدثت، فلقد بدأت بعض القوى "الجوهرية" في النظام تأخذ دورا فاعلا في الانحياز للقوى المدافعة عن الدستور بعد أن كانت في موقف الحياد، ذلك أن الأمور قد وصلت الى حدودها القصوى ولأن تلك القوى ربما تكون وحدها التي تعرف الحجم الحقيقي للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وتدرك آثارها العميقة، وكذلك أهمية الوحدة الوطنية وتفاهم وتلاحم المؤسسات الدستورية للخروج منها·

 

* * *

 

واليوم نواجه بمشاكل لا حصر لها فُرض بعضها علينا فرضا بسبب الحروب في المنطقة أو الاحتلال أو انخفاض أسعار النفط، ولكن بعضها نشأ بسبب إهمال التخطيط والمتابعة وسوء المعالجة، وكثير منها بسبب "البرنامج" "الحكومي" الذي لم يكن له علاقة بالمصالح الأساسية للبلاد، مما تسبب في اختراق القوانين، وإشاعة الفساد الاقتصادي والسياسي·

كما سنُواجه بقضايا ليس لنا عهد بها مثل القضايا التي تواجهها كثير من الدول الأفريقية· سيكون لدينا، إذا ما استمرت الأحوال على ما هي عليه الآن، عشرات الآلاف من الشباب الذين يبحثون عن مقاعد للدراسة وفرص العمل وعشرات الآلاف من الذين يبحثون عن مسكن، ولا نعرف الى أي مدى ستنهار الخدمات الصحية وغيرها· وخلال السنوات الأربع المقبلة سيتراكم العجز في ميزانيتنا ليبلغ 8 مليارات دينار أي أكثر من 26 مليار دولار مما سيتسبب في تآكل احتياطياتنا·

هذه هي الأوضاع الخطيرة والمفجعة التي وصلنا إليها بمرور عشرين عاما من الممارسة، أفلا يحق لنا إذاً كمواطنين أن نطالب بالتغيير؟! إن الطريق واضح، والبلاد تمتلئ بالطاقات الشابة الكفؤة المطلوبة لانتشال البلاد من أزمتها، ومازال في البلاد خير عميم·

ولقد حان وقت التغيير·

�����